الرجل الشكاك الغيور
Pixabay

هل يقتل التحكم والسيطرة الحب؟

ألّفه سارة بيصر تشرين الثاني (نوفمبر) 9, 2017, 06:46 صباحاً
"ماذا ترتدين؟" "من تحادثين؟" "بماذا تفكرين؟" "أين تذهبين؟" أسئلة حاصرها بها، وأشياء وأشخاص منعها عنهم. مادامت أحبته، فالقرار قراره وعليها تقديم قرابين الولاء والطاعة لإثبات هذا الحب.

جلَست أمام البحر، ترتشف كؤوس الحيرة. كانت تراقب أمواجه المتلاطمة كأفكارها، وتتصاعد أنفاسها كرياحه الثائرة. انتفض قلبها انتفاضة عاصفة ترابية جذبها الريح، فسلبها السكون، وصار يطيح بها يميناً ويساراً.

الجو في الأفق غائم، متلحفاً بالغموض، يشبه كثيراً قلوب الناس في تلك البلاد التي لا تعرف الحب. كل شيء باهت ورمادي، الشمس تجافي الكون، والسماء أسرتها الغيوم.

في تلك البلاد، لا يزهر الحب سوى أشواكاً وصباراً وتُغتال زهوره في مهده. أنصحِك ألا تحبي بصدق. لا تحلمي، ولا تدعي اللهفة تمتلك حواسِك. لا تدعي أحد يمتلك زمام قلبك، فلن تجني سوى الخيبات، يوم يُغتال الفرح في قلبك بخنجر بارد.

هكذا حدثت نفسها بعد مرور سنتين، حاولت فيهما كل المحاولات المستميتة لرتق كل فجوات علاقتهما.

البداية

في البداية، ألقى شباكه عليها ليوقعها فريسة هواه، بعد أن جذبه إليها عقلها، وقوة شخصيتها، ورأى فيها صورة لامرأة جديدة لم يعرف مثلها من قبل. عرف جيداً كيف يدخل إلى قلبها. أوهمها باحترامه لشخصيتها، واستقلالها، وثقافتها.

لكنه، كان حريصاً أن يبدو أمامها كبيانو مغلق على أسرار موسيقاه، وأن يرتدي معطف الغموض، ويتدثر برداء الصمت كلما سألته عن ذاته.

كان رجلاً مغلقاً على ماضيه، مقفل على أسرار حياته، لم يعتد الرسو على شاطئ في كلماته.

قال لها أنه لم يعش يوماً كطفل، لم يعرف تلك الرفاهية التي يعرفها الأطفال ولم يله بألعابهم؛ منذ نعومة أظافره لم تبارحه أغلال المسؤولية الملقاة على عاتقه.

لم تعبأ كثيراً بهذا الأمر، ربما زاد هذا من انجذابها إليه.

قالت له أنه ليس الفقر في افتقارنا إلى المال؛ الفقر في افتقار أرواحنا لوهج الحياة، وفي افتقار قلوبنا لدفء الحب.

حصار الحب وفرض السيطرة 

الخضوع والسيطرة
Wikipedia

عندما نحب بصدقٍ بإمكاننا أن نمشي على الماء، وأن نخرق كل قوانين الطبيعة. في عالم الحب بإمكان الشمس أن تشرق في غروبها، وأن يشعل الثلج الأجساد دفئاً. لا ينمو الحب في تلك القلوب التي لا تعرف سوى الأنانية، وحب الامتلاك.

 

"لو كنتِ بتحبيني هتسمعي كلامي."

لطالما سمعت تلك الكلمات منه. في كل مرة كانت ترتعد سمائها من الصدمة. كانت رغبته في السيطرة عليها، والتحكم فيها، تملأ أجوائها برائحة الريبة، فتجثم على أنفاسها أشباح الاختناق.

"ماذا ترتدين؟"
"من تحادثين؟"
"بماذا تفكرين؟"
"أين تذهبين؟"

أسئلة حاصرها بها، وأشياء وأشخاص منعها عنهم. مادامت أحبته، فالقرار قراره وعليها تقديم قرابين الولاء والطاعة لإثبات هذا الحب.

في تلك العقول الموصومة بالقهر، لكي يثبت أنه رجلاً، يرى أنه حين يتكلم يجب أن تصمت، وتغلق مدارك تفكيرها، وتعد ما يقوله نصاً مقدساَ، لا يحل لها التفكير فيه.

كان يستمد قوته من شعوره بضعفها. كان يتعمد إضعافها ليشعر بقوته وسطوته عليها. هو الآمر الناهي والحاكم بأمره. كان حريصاً أن يطفئ شموعها وتوهجها، ليجعل منها نموذجاً مكرراً من النساء الخاضعات، اللاتي امتلأت بهن الأرفف.

حاولت كثيراُ أن تفهم لماذا يفعل هذا.

أدركت أنه يستعيض عن إخفاقاته في معاركه المجتمعية الطاحنة تلك التي فشل أن يثبت فيها تميزاً فكرياً، أو إبداعاً عقلياً، أو نجاحاً عملياً - ببسط سيطرته عليها، كأخر ممالكه المسلوبة.

أباح لنفسه استخدام أساليب العنف المعنوية والجسدية إمعاناً في قهرها، واغتيال شخصيتها ورأيها.

قال، رداً على اعتراضها ذات يوم:

"المرأة بالنسبة لي، ليست إلا قطة أليفة تواسيني وتؤنسني. أعطف عليها من منطلق أنها ناقصة عقل."

نزلت عليها كلماته كالصاعقة. قررت أن تتحرر من قبضته، وترفض كل امتهان لها.

في انتظار الحب الناضج

بعد الفراق، كانت تشعر أن هناك آلام احتضار عشق تتسرب إلى أوصالها. غزو من ذبول يهاجم روحها. لم يكن أمامها سوى الصمود. زرعت في وجهها ابتسامة لا مبالية، وغدت تتربص بمستقبل قلبها المطعون. كفرت بكل نداءاته للعودة.

مع الوقت، اختبر قلبها سلوى النسيان وعادت إلى كيانها، ودورها المجتمعي، وانطلاقها في الحياة. تتطلع إلى الحب الناضج المتكافئ. تدرك جيداً أنه ليس هناك علاقة بين مشاعر الحب الحقيقي والتحكم والسيطرة؛ فكلاهما متنافر.

الحب لحن قدسي تعزفه القلوب التي لا تعرف الأنانية، فتتماهى معه روحان، لا يريد كل منهم إلا تقديم السعادة والتقبل للآخر. في الحب الناضج يوقن كل طرف أن للآخر كيان عليه احترامه، وليس التسلط عليه، وإطفاء وجوده.

هو ليس انجرافاً غريزياً سرعان ما ينطفئ، أو مجرد رغبة في التحكم والسيطرة. لكنه، مملكةً للصدق والعطاء والرحمة - مقطوعة موسيقية يتناغم فيها العقل والعاطفة، ويتنامى مع الأيام.

فهو حب لا يعرف الخذلان، ولا قهر الإرادة، ولا إطفاء نجوم الطموح. لكنه، يملأ النفس بهجة، وإقبالاً على الحياة.

ملاحظة: مختلف المدونات تعبّر عن رأي كتابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع

Comments
Add new comment

Comment

  • Allowed HTML tags: <a href hreflang>
  • Lines and paragraphs break automatically.