متاهات الطلاق
Wikimedia Commons

كيف تحقق علاقة متحضرة بعد الطلاق؟

ما الذي يمكّن الرجل والمرأة، بعد الطلاق، من الحفاظ على علاقة سوية بينهما؟ كيف يمكنهما العطاء لأطفالهما سوياً والاستمرار في تنشئتهما تنشئة صحية؟

في ليلة ناعمة، سطر إيقاعها صوت قطرات المطر على سقف منزلنا، في إحدى مدن جنوب فرنسا، استضفت وزوجتي والدتها وزوج من الأصدقاء في أواخر عقدهما الرابع.

بينما كنا نتجاذب أطراف الحديث عن توقعاتنا بعد فوز ماكرو برئاسة فرنسا، تأملت وجه والدة زوجتي، الذي تركت ثلاثة وسبعون عاماً آثارها عليه، وقاطعت قائلاً:

""ماري كلود"، بما إنك الممثلة الوحيدة لجيلك في هذه الجلسة، أريد أن أختبر إحدى افتراضياتي بسؤالك سؤالاً مباشراً."

تبسمت حماتي موافقة.

أشرت إلى نفسي وزوجتي، وإلى صديقينا، ولكل منهما تجربة طلاق، واستطردت قائلاً:

"جيلنا يشهد ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الطلاق والزواج بينما يتميز جيلكم بنسبة أعلى في الاحتفاظ بزيجة واحدة مدى الحياة. لطالما فسرت ذلك بأن متطلباتكم في الشريك كانت أقل تعقيداً من متطلبات جيلنا ... هل تتفقين معي في هذا الرأي؟"

أجابت بدون تردد: "بالقطع! أنا لم أكن أعمل، وكلما ظهرت لي فرص للعمل كنت أفقدها بسبب اضطراري للانتقال من مدينة لأخرى مع زوجي. أما جيلكم، فقد انتشر فيه عمل المرأة، ومع عمل المرأة يتوفر لها قدر أكبر من الاختيارات.

هذا يحد من رغبتها في التبعية لزوجها ويمنع استمرار الزواج إلا في حال تحقيقه لحد أدني من طموحاتها."

أبهرني تصالحها مع نفسها وشردت بأفكاري.

الحقيقة أن ما كان يشغل بالي هو تأثير ارتفاع نسبة فشل الزواج على حياة الأطفال الذين قدموا للحياة بسبب هذا الزواج.

سؤال مُلح
لقد كنت دوماً من الشغوفين بسؤال اجتماعي وهو:

ما الذي يمكّن الرجل والمرأة، بعد الطلاق، من الحفاظ على علاقة سوية بينهما؟ كيف يمكنهما العطاء لأطفالهما سوياً والاستمرار في تنشئتهما تنشئة صحية؟

نظرت إلى ضيوفنا، وألقيت بسؤالي الذي تلقفته "كارين" قائلة:

"في كل حالة طلاق يوجد طرف إيجابي كان الأكثر سعياً لإنهاء العلاقة، وطرف سلبي كان يقتصر على التفاعل مع رغبة الطرف الأخر. في رأيي، مسؤولية المجهود لاستمرار علاقة صحية بين الطرفين يتمركز ثقلها على الطرف الذي كان أكثر إيجابية في إنهاء الزواج."

ما قالته "كارين" يبدو لي منطقياً؛ الطرف الذي كان أكثر سعياً لإنهاء الزواج، هو الأقل عرضة لجراح الرفض.

الطلاق، من وجهة نظري، مهما كانت شرعية أسبابه هو قصة فشل. أي قصة فشل تصحبها أعراض الإحباط وآلام الذكريات وخزي تحطيم الأحلام.

الطرف الذي دُفع لإنهاء الزواج، حظي بالفرصة للتعامل مع إحباطه وجراحه وخيبة أمله، وهو بالقطع، الطرف الأقدر على تحويل خسارة كلية الى خسارة جزئية للأسرة. 

كيف يقوم بذلك؟

يسعى الإنسان للسعادة، ويقترب منها كلما تطابقت توقعاته مع واقعه أو تجاوز واقعه توقعاته.

أكثر الناس إحباطاً وتعاسة هم هؤلاء الذين لا يعملون على تعديل توقعاتهم لتحويل الفشل الى نجاح.

نعم! لقد فشل الزوجان في الحفاظ على علاقة زواج رومانسية ولكن الطلاق خلق لهما فرصة لاستمرار النجاح في علاقة الأبوة.

فشلا في التشارك الأسري ولكن هذا الفشل خلق لهما فرصة للنجاح في التعاون لبناء شخصيات أبنائهم خارج الإطار التقليدي.

السر يكمن في تحويل التوقعات

الخلافات بعد الطلاق
Wikipedia

أنتِ يا سيدتي تستطيعين اليوم تحقيق ذاتك الرومانسية مع شريك آخر، وفي نفس الوقت تستطيعين تحقيق ذاتك الأمومية مع شريكك السابق.

غضب ما بعد الطلاق ينتج من عدم قدرة، أو بمعنى أدق عدم رغبة، طرفي العلاقة في فصل الذوات.

أيها الطليقان توقفا عن محاولة استمداد تحقيق النفس من إثبات فشل الطرف الآخر كزوج.

لقد أعلنتما عن هذا الرأي ووثقتماه يوم اتخذتما قرار الطلاق - يوم أن وضعتما ختم النهاية على العلاقة الزوجية.

آن أوان تحويل الطاقة البناءة إلى الأبناء. ليس بالادعاء. لكن بالعمل الحقيقي لتمكين الطرف الآخر من بذل العطاء لهم، وليس بتعجيزه أو محاولة إثبات فشله، للانتقام من نجاحه في علاقة أخرى.

نجاح زوجك السابق في علاقة أخرى لا يعني بالضرورة نقص في شخصِك ولكنه قد يعني تطابقاً أكثر واقعية في التوقعات بينه وبين شريكته الجديدة.

معادلة صعبة

  1. أعلم أنها معادلة صعبة تستدعي الكثير من الجهد والصدق مع النفس. 
     
  2. أعلم أن حب الذات يدفع للتدليس والخلط بين ما هو مصلحة للأطفال وبين ما هو تحقيق للانتقام.
     
  3. أعلم أن الانتقام شعور له نشوة تشبه النشوة الجنسية.
     
  4. أعلم أن الغضب مسكن للألم ومعوض للهوان.
     
  5. لكن الطاقة الإيجابية الحقيقية تنتج عن مشاهدة أطفالك ينشئون نشأة صحية.
     
  6. قد يكونوا فقدوا مثال الحب ولكنهم يعيشون الاستقرار ويشهدون الاحترام.

شروط نجاح المحاولة
بناء عليه، قناعتي الشخصية، أننا إذا عقدنا العزم على تحقيق علاقة صحية بعد الطلاق فينبغي أن:

  • نعمل على إعادة صياغة توقعاتنا من العلاقة لتتحول من واجبات شريك إلى واجبات أب أو أم.
     
  • نتذكر أن علاقة الزواج انتهت ولكن الأبوة والأمومة علاقة مستمرة.
     
  • نقدم الراحة النفسية للأطفال على لذة الانتقام.
     
  • نتوقف عن محاولة إصلاح الشريك السابق؛ علينا تمكينه من القيام بواجباته تجاه الأطفال.
     
  • يكون ميثاقنا في هذه العلاقة هو اختيار الأصلح للأطفال بالاتفاق المتبادل.
     

ملاحظة: مختلف المدونات تعبّر عن رأي كتابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع

Comments
Add new comment

Comment

  • Allowed HTML tags: <a href hreflang>
  • Lines and paragraphs break automatically.