رومانس
Max Pixel

حكاية: في تفاصيل العشق والألم

ألّفه سارة بيصر الاثنين, 01/23/2017 - 01:34 م
"سأفتقد جنوني وانطلاقتي التي لم تجد طريقها إلا معك، حين كنا نسير في تلك الليالي الشتوية الهادئة، نضجّ بحكايانا وضحكاتنا صمت الأرصفة، ونوقظ نجوم الليل الهاجعة".

كانت الشمس تلملم ثوبها الأرجواني من أفق السماء، أخذةً في الغياب.


جلس هو وهي على إحدى المقاعد المقابلة لأمواج البحر التي كانت كأنفاسهما تعلو وتهبط، يجهزا كلمات تليق بوداعهما. أخبرته أن سفارة بلدها تقوم بتخفيض عدد رعاياها العاملين بمشاريعها في مصر بعد الأحداث التي تلت الثورة، وأنه طُلب منها المغادرة .

قال لها محاولاً اظهار التماسك: "هذا إجراء روتيني يحدث عادةً بعد الثورات، ولابد أن الأمور ستعود لطبيعتها بعد شهور قليلة."

امرأة خيل بحر
Pixabay

قالت له : "أتمنى هذا".

"صوت الصمت..." 
انتابهما لحظات صمت وحيرة، قطعتها يداها الممتدة إليه بهاتفها المحمول، وصوتها الذي يطلب منه أن يسجل لها كلمة بصوته وصورته تتذكره بها، وتراه حين تشتاق إليه في الغياب.

مدّ يده إليها وأخذ منها الهاتف، حاول أن يلملم صوته المبعثر. أعاد رسم ابتسامته ، وتهيئة ذهنه لإعداد ماذا سيقول.

كان صوت الصمت أقوى بداخله من صوت الكلام. للصمت تاريخ بحجم كل ما قيل من كلمات.

لم تسعفه كلماته المنهكة، إلا لتقول لها: "سأشتاقك عزيزتي، أتمنى لكِ التوفيق والسعادة".

أما صمته فقال لها أحاديث وأحاديث. قال لها :"أتعرفين أنني أحبك كثيراً، وأنكِ كنتِ أول من تفتحت بتلات الحب في قلبي لأجله، وأنني لا أتصور حياتي من دونك، بعدما ستفصل بيننا هذا الكم الهائل من البلدان بتضاريسها وبحارها ومحيطاتها.

سأفتقد جنوني وانطلاقتي التي لم تجد طريقها إلا معك، حين كنا نسير في تلك الليالي الشتوية الهادئة، نضجّ بحكايانا وضحكاتنا صمت الأرصفة، ونوقظ نجوم الليل الهاجعة" .

أشعر أن الطرقات ستكون باردة من دونك، وأن عالمي سيتغير، وقلبي سيتوارى في غيابات الشجن. سأفتقدك كثيراً، سأشتاقك بحجم السماء، وسأنتظرك حتى تعودين".

شاب عالبحر
Pexels

لم يدرك وقتها أن الانتظار هو ذاك الشعور الذي سيجعله يعدّ الأيام والشهور والسنين، يترقب الذي يظن أنه سيأتي، يعلّق لحظات فرحه عليه، غير آبه بغبار السنين الذي يتراكم فوق عمره، وقلبه، فيفقده بريقه، أو بأحلامه المؤجلة المرهونة على أبوابه .


عابر سبيل  
اِلتقيت به. لقاء عابر، لم يتعدّ وقته بضع لؤلؤة صغيرة من عِقد أيام حياتي. لكني، ما زلت أذكر ذلك الشاب الذي أتى من بلاده البعيدة مع والدته، لحضور تكريم أدبي لها في مصر.

كان ضجيجه يسبقه، وتعليقاته الساخرة تثير الدهشة، وابتسامته تملأ وجهه. على الرغم من اتساعها إلا أنها كانت ابتسامة غادرها الفرح، وعلى الرغم من ضجيجه إلا أن عينيه كانتا صامتتين  كبحر يحمل أوجاع مدينة غارقة حلت بها النكبات.

كانت نوستالجيا حب قديم في حياته تتغذى على سعادة روحه، وتُطفِئ ألوان البهجة في قلبه .

قصة حب
Pexels

لوعة الحب بداخله كانت تحمل كل التناقضات. حب وكره، وأناشيد فرّ، وذكريات عشق، وطعنات غدر، وأصوات أبواق انتقام، وناقوس حنين يدق في ذاكرته، يأبى أن يتركه للنسيان. 

ذاك الحنين الذي يجعلنا لا ننسى، ونحيي ما مات من مشاعرنا وذكرياتنا لنبكي من جديد فوق أطلالها، مهما اختلفت الأماكن والأزمان.


في طاقات الألم
كان الجو بارداً، والسماء ماطرة. كنت ألمحها من خلف النافذة بجسدها النحيل تجلس مع بعض الرفاق في الخارج، يضحكون ضحكاً هستيرياً، ويتحدثون بصوتٍ  مرتفع، ويغنون، تملكتني بعض الدهشة.

شعرتُ أنني أمام طقس للرقص الأفريقي، حين تعلو أصوات الطبول والأبواق، وتهتز الأجساد بعنفٍ في طبيعة ضارية، في الظلام والبرد والرياح، وكأنهم يفرغون بممارسة الجنون كل طاقات الخوف، أو يتناسون آلامهم .

أغلقت ستار النافذة، صنعتُ كوباً من الشاي، وجلستُ أحتسيه، على أنغام صوت فيروز الدافئ.

فجأة سمعت طرقات الباب، فتحته. اندفعت إلى غرفتي. قالت لي: "أتعرفين أنني أبحث هنا في الإسكندرية عن طبيب نفسي".

سألتها: "ما الداعي لذلك؟!"

فتاة بحر
Pexels

أجابتني: "لقد فكرت في الانتحار كثيراً، أنا أكره حياتي، وأكره كل الرجال.

أتعرفين؟! لقد أحببت بكل وجداني. سنتين كنت مخلصة له في كل نبض من نبضات قلبي، حتى فوجئت بخيانته. تركني وخطب فتاة أخرى. كدت أن أصاب بالجنون قلت له أن يبقى. يبقى حتى لو سأكون زوجة ثانية، كان الأمر مُراً. لكني، كنت أريد بقاءه على أي حال. لم أكن لأقدر على الغياب.

لكنه، على الرغم من كل ذلك، تركني لشقاء بعد شقاء. لم أجد من يهدهد روحي. والدي كان  يضربني بشدة، ما زلت أذكر ركلاته لي ذات مرة التي لم تبرح مكاناً في جسدي، والنزيف الذي أصبت به بعدها، وشكوكي..حتى هو يخون والدتي، سمعته ذات يوم يحدّث أخرى في الهاتف. كلهم خائنون، كلهم لا يمنحوننا إلا مذاق الخذلان".

لا نحب لنشقى
لم تنتظر لتسمع مني أي تعليق. أفرغت حملها الثقيل، وحملت معطفها، واصطحبت الباب في يدها، ورحلت.

بعد لحظات سمعت أصوات الضحكات تعلو في الخارج من جديد، بينما بقيت أنا أفكر: هل لهذه الابتسامات التي غادرها الفرح، المرسومة على الشفاه دون أن تمتد جذورها للقلب، من سبيل لتنير وترتسم في القلب من جديد؟!

حياتنا بالتأكيد ليست سهلة بما يكفي ، فهناك المنغصات والعقبات، وهناك تلك القلوب التي ضجت بالخيبات والخذلان ...

طبيعة حلوة
Pexels

لكني أؤمن أن الله منحنا الفرح ببذخ ، السماء التي تتلألأ بالنجوم مؤنسةً ليالينا، وذاك القمر الساهر يعزف سيمفونية الجمال، ويلقي بظلاله الساحرة على سطح البحر.

تلك الزهور المتوجة بالندى، والتي تلونت أثوابها ، وتعطّرت بأريجها الآسر، وعانقت النسمات. كل المنمنمات الصغيرة في هذا الكون مفعمة بالجمال، وكفيلة بأن تمنحنا البهجة .

لكننا نحتاج فقط إلى أن نتعود أن ندلّل أنفسنا، أن نقول لها: كم هي جميلة وقوية، وبإمكانها أن تحيا سعيدة، دون أن تعلّق سعادتها على أحد.

الحب هو سيمفونية متناغمة ومتكاملة يعزفها اثنين بأرواحهما ومشاعرهما وأفكارهما، ونحن لا نحب لنشقى. لكننا، نحب لنملئ حياتنا وداً ورحمةً وهناءً.

ملاحظة: الأفكار الواردة في المدونات تعبّر عن رأي كتابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع.

تابعوا معنا أجمل أقوال الحب

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.