كيف تربي طفلاً ملتزماً بالعلاقة مع الشريك/ة؟

يتحقق الالتزام بالعلاقة مع الشريك/ة عندما نتربى على الالتزام منذ طفولتنا وأن ننشأ على أن تكون مخلصين، وأن نرى ذلك في العلاقات من حولنا فنتعلم منها.

د. رضوى أسامة

في الكثير من الأوقات، نربي أولادنا الصغار، دون قصد، على ثقافة عدم الالتزام في الحب.

قد يكون ذلك في صورة أن نمتدح، منذ نعومة أظافرهم، علاقاتهم المتعددة، فتجد أم الصبي تضحك بشدة على حبه لكثير من البنات، وعلاقاته بهن منذ المرحلة الأولى في الحضانة، وتتباهى بتصرفاته أمام أقربائه، فينضج الطفل وهو لديه تصور عن ان الرجولة توازي العلاقات المتعددة وعدم الإخلاص للشريكة.

ما زلت أذكر صديقاً لابنتي في مرحلتها الأولى من الحضانة، كان معجباً بها، وكان يعبر عن حبه جسدياً، فكثيراً ما قَبَّل ابنتي، وهو أمر سبب لي قدراً من الانزعاج، لكن ما زاد الانزعاج أنني عندما تحدث مع والدته عن ذلك، قالت إنه يقبِّل كل الفتيات اللاتي يراهن جميلات. كانت تضحك من الأمر وتتعامل معه بخفة شديدة.

ينطبق الأمر أيضاً على الفتيات، إذ تثني بعض الأمهات على لطفهن طفلاتهن ودلالهن اللذين يوزعنه على جميع الأولاد. تتناسى الأمهات ساعتها أنهن يربين بناتهن على تبني دور “اللعوب”.

قد يقفز في ذهن البعض أن الحل هو التربية الدينية المتشددة، وأنها ستحمي من فكرة تعدد العلاقات وعدم الإخلاص للشريك/ة، وفي الحقيقة يؤسفني مخالفة هذا التصور، لأننا نتحدث عن مسألتين مختلفتين.

يتحقق الالتزام بالعلاقة مع الشريك/ة عندما نتربى على الالتزام منذ طفولتنا وأن ننشأ على أن تكون مخلصين، وأن نرى ذلك في العلاقات من حولنا فنتعلم منها.

أذكر سيدة كانت تتردد على العيادة مع ابنتها الصغيرة التي تعاني من فقدان الثقة بنفسها، ودائماً ما ترى أمها مثال على الثقة الكاملة، هذه الأم كانت متعددة العلاقات.

ظلت الطفلة تعاني من عدم ثقتها بنفسها، ولم يتحسن الأمر إلا بعد المراهقة، حينها كانت علاقاتها متعددة، وكأن تعدد العلاقات، وهو الوضع غير المريح، هو الذي أعاد الثقة التي تفتقدها، لأنها أشعرها أنها “امرأة كاملة”، كأمها.

لنراجع مفهومنا عن الحب

يجب أن نشجع أطفالنا على الالتزام بالعلاقة، ونحدثهم بشكل إيجابي عن الحب، ونسمح لهم بالتعبير عنه إذا اختبروه، ونحترم تلك المشاعر ولا نسخر منها، ونصبح أصدقاءهم وسندهم ونحن نستمع إلى هذه الحكايات الصغيرة.

ولكن علينا أيضاً أن نستعين بذلك لنطوِّر مفهومهم عن الحب بشكل واقعي، أن نحكي عن تجاربنا الماضية، ولا نكرر الكلمات الباهتة مثل: “التفت لمذاكرتك ولما تكبر ابقى حب” أو “مفيش حب في السن ده” أو “عيب ومش مقبول”، لأن بمنتهى البساطة، سيظل شعور الحب قائماً لدى ابنك أو ابنتك، ولكن بسبب رفضك، سيختلط شعوره بالحب بالشعور بالذنب.

السماح بالتعبير عن المشاعر في جو من القبول والاحترام يمنع اختلاط مشاعر الذنب بمشاعر الحب، وفي الحقيقة هذه مسألة ستحمي طفلك من الوقوع في مشاكل عديدة في العلاقات.

إذن اتركه يشعر بالحب، ولكن علمه كيف يحب الشريك/ة ويحترم مشاعره/ا ويلتزم أو تلتزم بالعلاقة.

وحتى يحدث ذلك يجب أن تراجع/ي مفهومك عن “الحب”، وألا تراه أو ترينه شيئاً يدعو للخجل، لدرجة أن لا تود/ين لابنتك الوقوع فيه، إنما التعامل مع الحب بإيجابية، وأن يرتبط مفهوم الحب بفكرة اختيار الشريك/ة في الوقت المناسب والالتزام به.

مثلاً، إذا أخبرك ابنك ذو الخمس سنوات أن يحب زميلته “ملك” في الحضانة، وبعدها بأسبوع أخبرك أنه يحب “سلمى”، يُفضَّل أن تسأله/تسأليه عن “ملك”، وهل لم يعد يحبها بعد الآن، واكتَشَف أن علاقتهم مجرد صداقة، وأن مشاعره بدأت تتجه نحو “سلمى”؟

إذا أخبرك أن يحب الاثنتين، من فضلك لا تضحك/ي أو تشعر/ي بالفخر، إذ يجب أن تتوقف/ي قليلاً عند هذه النقطة، وإخباره أنه ليس من المحبب أن تتوجه مشاعرك لاثنتين، والأفضل أن تحدد من هي من بينهما صديقتك، ومن هي التي تشعر تجاهها بالحب.

ساعده/ساعديه على فهم مشاعره، حتى لو كان صغيراً، حتى تصلا لصيغة بعدة عن التعدد.

قيم نتعلمها

من المهم أيضاً في هذا السياق مراجعة النماذج السلبية للعلاقات التي تشاهدونها مع أبنائكم في وسائل الإعلام، وذلك من منظور نفسي.

وتجنبوا في ذلك الخطابات الوعظية، لتأثيرها الضعيف والمحدود، وقد يكون تأثيرها عكسياً، بل اهتموا بنقاش تأثير هذه العلاقات السلبية على حياة الشركاء فيها، وكيف أنها لا تثمر علاقات صحية.

ونصيحتي أن تبتعدوا وأنتم تربون أطفالكم عن نماذج “الدنجوان الصغير” و”الفاشونيستا اللعوب”، لأنها نماذج مريضة ومزيفة وتصنع جيلاً مشوهاً لا يعيش خبرات سنه.

تزعجني بشدة محاولات الأمهات اللاتي يتبارين في إظهار صورة طفلتها على أنها “نجمة سينما”، وعرض هذه الصور على المواقع الاجتماعية يومياً بشكل لا يتناسب مع سن الطفلة.

وقد يصل الأمر إلى تعليم الطفلة وضعيات تصوير تتسم بالإغراء وتبتعد عن تلقائية الطفولة.

من الهام أيضاً تشجيع الأطفال على قصص الحب الرومانسية، ليتعلم بشكل أكبر عن طبيعة العلاقات، نعلم أنه مجال شحيح بالعربية، خاصة الموجه منها لليافعين، لكن إذا كنتم مهتمين بالقراءة بلغة أجنبية مع أبنائكم ستجدون اختيارات متعددة.

في النهاية، تذكروا أن قيم الالتزام بالعلاقة لا تنمو من تلقاء نفسها، وإنما نتعلمها ونناقشها ونمارسها بأنفسنا قبل أن ننقلها إلى أبنائنا.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

الحب ثقافة

‏الحب ثقافة منصة للنقاش البنّاء حول أمور الحب والعلاقات والجنس والزواج.