كيف نتحدث مع أبنائنا عن المشاعر والعلاقات العاطفية؟

من الشائع أن يسعى الآباء للحديث مع أبنائهم في الحب والعلاقات العاطفية في مرحلة المراهقة، ولكن من الأفضل أن يبدأ هذا الحديث منذ الطفولة.

في عالمٍ مليء بالحكايات والصور المغلوطة عن الحب، بدءاً من القصص الرومانسية الخيالية غير الواقعية وصولاً إلى الابتزاز الإلكتروني وحوادث التحرش المتكررة والعلاقات الجنسية الصريحة والانفتاح على تجارب الآخرين، يحتاج الأبناء إلى الاحتواء والاستيعاب أكثر من أي وقت مضى. ففي الوقت الذي يحرص فيه الوالدان على تربية أبنائهما وتعليمهم الكثير من الأمور المختلفة، قد لا يلقون بالاً إلى أهمية الحديث معهم عن العلاقات العاطفية، وما هو شكل العلاقة الصحية.

كيف تبني علاقة قوية بينك وبين طفلك؟

من الشائع أن يسعى الآباء للحديث مع أبنائهم في الحب والعلاقات العاطفية في مرحلة المراهقة، وهي المرحلة التي يوشك فيها الابن/ة على اختبار تلك المشاعر، ولكن من الأفضل أن يبدأ هذا الحديث منذ الطفولة لا المراهقة.

لكن قبل أن تتحدث مع طفلك عن العلاقات تحتاج في البداية أن تؤسس علاقة قوية من الثقة بينك وبين طفلك. لا تبني العلاقات القوية نفسها بنفسها ولا يجد الشعور بالارتياح مكانه بينكما من تلقاء نفسه، لذا من المهم أن تكون صادقاً وجاداً بشأن التواصل الحقيقي مع أبنائك على أساس ثابت.

  • الانفصال عن المشتتات

تبدأ رحلة بناء علاقة قوية مع طفلك من خلال أمر بسيط ولكنه ضروري، وهو التواصل البصري.

إن النظر إلى عيني طفلك مباشرة حين يتحدث إليك، يخبره الكثير عن مكانته لديك.

على عكس ما قد تتصور/ين. يعرف الطفل جيداً هل تستمع/ين إليه حقاً أم لا. قد تعتقد/ين أن المدح فقط هو القادر على إرسال مشاعر إيجابية إلى ابنك أو ابنتك، ولكن الانتباه الكامل إلى طفلك أيضاً يجعله يشعر باهتمامك.

لذا، إذا كنت تحرص/ين على تخصيص وقت محدد لطفلك أمام الشاشات (سواء التلفزيون أو أجهزة اللابتوب والهواتف الذكية)، فعليك، كأب أو أم، أن تخصص/ي وقتاً تكون/ين فيه أنت أيضاً بعيد/ة عن الشاشات. بناء علاقة حميمية مع طفلك يتطلب البعد عن المشتتات كي تتواصلا بشكل حقيقي.

  • استمع/ي إلى طفلك

حاول/ي الحديث مع ابنك أو ابنتك ودخول عالمه من خلال أسئلة محددة وواضحة وأكثر عمقاً مثل:

“ما أكبر مخاوفك الآن؟”

“هل تشعر/ين بالقلق؟ لماذا؟”

“ما الذي تحتاجه مني بشكل أكبر؟”

“ما الذي أغضبك حقاً؟”

“لماذا أراك حزيناً؟”

“ما أكبر أحلامك التي تتمنى تحقيقها؟”

“هل أنت سعيد/ة؟”

استمع/ي إلى إجابات طفلك باهتمام، اعطه مساحة كافية للتعبير عن نفسه ومشاعره، ساعده في إيجاد الكلمات الواصفة لشعوره إن لزم الأمر، لكن لا تبالغ/ي فيشعر أنك تقيده في الحديث.

  • التخطيط

في ظروف العمل الضاغطة والسعي الحثيث من أجل توفير حياة أفضل لأبنائك، قد يكون من الصعب أن تخصص/ي وقتاً للعائلة. لكن إعادة ترتيبك لجدول عملك وتنظيم وقتك خطوة لا تقل أهمية عن توفير مستوى المعيشة الذي تطمح له من أجل أبنائك؛ فوجودك في حياتهم وحضورك في المواقف التي يحتاجونك فيها والذكريات التي ستتشاركونها سوياً هي الدعامة الحقيقية لبناء علاقة قوية مع أبنائك ولتحقيق استقرار نفسي لهم وتوفير شعور بالأمان سيشكرونك عليه لاحقاً.

خلال ذلك الوقت وبينما يكبر الأطفال لتبدأ مرحلة ما قبل المراهقة، من المهم أن يتعرفوا على الصور المختلفة للحب؛ كالإعجاب والحب والغيرة والحب غير المشروط. فحب الوالدين غير حب الأصدقاء غير الحبيب وهكذا. فروق قد تبدو واضحة بالنسبة لنا، لكن خبراء التربية يرون أن من المهم للأطفال أنفسهم إدراك وجودها وفهمها، خاصة عندما يشعرون بها للمرة الأولى.

كيف تتحدث/ين مع طفلك عن العلاقات العاطفية؟

تخبرني د. نهال زين أخصائية الطب النفسي ومعالجة نفسية، أن الطفل منذ بداية وجوده في بطن الأم يتعرف على صوتها، وبعد الولادة يبدأ في التعرف على مقدمي الرعاية له وتكوين رابطة تعلق معهم وعلى رأسهم الأم بالطبع، يليها الأب والجدة أو الجد أو الخالة وهكذا. يمكن للطفل منذ الشهور الأولى إظهار العاطفة تجاه أمه وأبيه من خلال الإشارات والإيماءات. تقول زين: “يُظهِر الطفل لأمه حبه من عمر شهور، فهو لا يفهم الحب فحسب ولكنه يظهره، من خلال تقليد تصرفات أمه وأبيه اللذين يعبران له بها عن حبهما، أو مثلما يمارس تصرفاً محبباً فيبتسم لهم ويضحك، أو يقبلهما أو يحتضنهما”.

عندما يكبر الطفل ويبدأ في الذهاب إلى الحضانة، سنجده يعبر عن مشاعره تجاه أصدقائه والأطفال الآخرين الذين يلعب معهم ويقضي معهم عدداً من الساعات يومياً.

يبدأ الطفل في إدراك العلاقات العاطفية بين الأفراد شيئا فشيئاً مع بداية تعرفه على أشخاص مختلفة من حوله وإدراكه لطبيعة الصلات الاجتماعية المختلفة: “يبدأ استكشاف وجود أناس غير بابا وماما، مثل الخال والعمة وأولادهما، بالإضافة إلى زملاء الحضانة”.

علاقة الأب والأم هي أول ما يشكل مفهوم الطفل عن العلاقات العاطفية الحميمية. تقول زين إن الطفل يتأثر بعلاقة أمه وأبيه إلى أقصى مدى ويراقب تصرفاتهما وكيف يتعاملان مع بعضهما، وحتى لا تنعكس علاقة الوالدين على الطفل بشكل سلبي.

وإذا حدث خلاف بين الأب والأم، عليهما ألا يتشاجرا أو يوجها إساءات لبعضهما أمامه، وعليهما أن يحاولا شرح الموقف للطفل/ة دون الكذب عليه، وشرح أن الخلافات طبيعية وواردة الحدوث، ولكن المهم حل المشكلة باحترام وهدوء. يستدعي هذا عدم إقحام الطفل/ة كطرف في الخلاف.

فترة المراهقة

سواء كنت على تواصل عن قرب مع ابنك منذ كان طفلاً أم لا، ففي مرحلة المراهقة ستتخذ العلاقة شكلاً جديداً، قد يكون الأمر صعباً في البداية لكنه لن يكون مستحيلاً. فترة المراهقة فترة انتقالية مربكة وتشهد أوقاتاً صعبة سواء على مستوى التغييرات العاطفية والجسدية العديدة التي يمر بها الأبناء أو على مستوى الحياة الدراسية والاجتماعية، وقد لا يشعرون دائماً بالرغبة في التحدث أو الانفتاح، وتبدأ رغبة قوية في أن يكونوا مستقلين في الظهور. لذا فهي تتطلب من الأب والأم الصبر والهدوء والتفهم، خاصة وأن بعض الآباء والأمهات تبدأ معاملتهم للأبناء تتغير بمرور السنوات لأن أطفالنا أصبحوا كباراً واعين لتصرفاتهم وعواقبهم حسب اعتقادهم.

لكن الحقيقة أن في هذه المرحلة تسيطر مشاعر المراهقين على تقييم المواقف، وإن وجدوا صعوبة في التعبير عنها في الأغلب. وهذا يفسر أيضاً ميل الكثير من المراهقين إلى المغامرة والسلوك المحفوف بالمخاطر.

من المهم أن يدرك الآباء والأمهات وأي مقدم رعاية، كالمعلم، أن تطور الجزء العقلاني من الدماغ لا يكتمل تماماً حتى عمر 25 عاماً، وهذا الجزء هو المسؤول عن أمور مثل صناعة القرار والتخطيط والتحكم في الدافع وتجنب المخاطر. لذلك علينا أن نضع ذلك في الاعتبار كيف نفهم أبناءنا بشكل أفضل. ليس المقصود أن نتحكم فيهم، ولكن أن نفهم أنهم يرون الأمور من وجهة نظر مختلفة عنك.

وأيضاً، وجد استطلاع عام 2014 نشرته الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن المراهقين قد يشعرون بالتوتر أكثر من البالغين، وأنه يؤثر عليهم بطرق غير صحية. شعر حوالي 30% من المراهقين، البالغ عددهم في الاستطلاع 1018، بالحزن أو الإرهاق أو الاكتئاب، بينما لم يستطع  25% منهم تناول وجبات الطعام بسبب قلقهم الشديد.

كيف تتحدث مع ابنك المراهق عن العلاقات العاطفية؟

يختلف كل شخص عن الآخر في الطريقة الأمثل للتواصل معه خاصةً عن أمور حميمية قد يشعر بالحرج منها، خصوصاً إن كان يختبرها لأول مرة. لكن خلص خبراء التربية والباحثين إلى مجموعة من النصائح العامة حول كيفية الحديث عن الحب والعلاقات والذكاء العاطفي وغيرها من أمور مع الأبناء في هذه السن كي تساعد الوالدين بعض الشيء.

اخلق/ي مساحة آمنة للمحادثة

  • ابدأ/ي بدردشة غير رسمية. تجنب/ي الضغط على ابنك المراهق للتحدث معك، وتذكر/ي كيف كان الأمر عندما كنت في مثل عمره، وطبيعة مشاعرك تجاه والديك.
  • ابحث/ي عن مساحة يشعر فيها كلاكما بالراحة. يمكن أن يكون هذا عند مشاهدتكما للتلفزيون أو ممارسة لعبة سوياً أو الذهاب في نزهة على الأقدام أو في السيارة.
  • إذا قرر ابنك مشاركة تجاربه معك، فتفاعل/ي معه بطريقة هادئة ومتفهمة.
  • إذا لم يكن منفتحاً في التحدث، لكنك تعتقد/ين أنه قد يحتاج إلى توصيل شيء ما لك، فيمكنك أن تقترح/ي عليه أن يختار وسيلة أخرى بدلاً من الحديث معك وجهاً لوجه. قد يُعدّ فيديو أو يرسل لك رسالة إلكترونية. عليك إبداء تقبلك لأي طريقة كانت للتواصل معه.

ساعده على فهم العلاقة الصحية

أول نموذج تقع عليه عين الابن أو الابنة عليه فيما يخص العلاقات هو علاقة الأم والأب، لذا حاول/ي أن تكون/ي نموذجاً جيداً محترماً، حتى وإن كنت منفصلاً عن أم أبنائك أو كنت منفصلة عن والد أطفالك، احرص/ي على أن تتحدث/ي مع أبنائك عن الأمر وكونه وارد الحدوث، وأن تتحدث/ي عن الطرف الآخر باحترام.

يمكن أيضاً أن تساعد/ي ابنك على فهم السلوكيات الصحية وغير الصحية في العلاقات العاطفية بضرب الأمثلة له. فمثلاً تكون العلاقة صحية عندما يراعي كلا الطرفين الآخر، وأن يكون عطوفاً ومُشجعاً، ويتقاسم المهام مع شريكه.

بينما تكون العلاقة غير صحية عندما يكون كليكما أو أحدكما مسيطراً على الآخر، ويحكم قيوده حوله (على سبيل المثال يمنعه من رؤية الأصدقاء). عندما يكون عدوانياً، لا مبالياً، وتركيز منصب على نفسه ولا يراعي احتياجات الآخرين.

تحدث/ي إلى طفلك عن الاحترام، تحدث/ي عن المساواة بين الجنسين، عن مبدأ الموافقة وحقه وحق الطرف الآخر في قبول العلاقة أو رفضها. ساعده على تمييز الإساءة العاطفية مثل التخويف والصراخ وتعليقات السخرية والاستغلال من الطرف الآخر، والتعرف على التحرش الجنسي وعلاماته.

استعن بصديق!

إن لم يكن طفلك منفتحاً على التحدث معك لشعوره بالحرج أو أنك قد لا تفهمه، اقترح/ي عليه الحديث مع خاله أو عمه أو أحد الأصدقاء المقربين لكما من الذين تثق/ين بهم. كما يمكنك اقتراح أن يتابع موقعاً إلكترونياً مناسباً لمن هم في سنه وينشر مقالات إرشادية، أو أن ترشح/ي له كتاباً قد يفيده بخصوص هذه الأمور. بالطبع هذا يتطلب منك محاولة أن تواكب/ي وتتابع/ي ما يتعرض له أبنائك على الإنترنت أو منصات البث الإعلامية وغيرها، قد يكون الأمر مرهقاً، لكن إن نظرت له بتمعن ستجده يقدم لك عوناً كبيراً.

لذا إلى جانب الأنشطة العائلية، احرص/ي أن يجمعك وابنك وقتاً لمشاهدة الأفلام والمسلسلات والاستماع للأغاني الحديثة التي تروق له وتبادل الآراء حولهم، حيث دائماً ما تكون مدخلاً فعالاً وغير مباشر للحديث عن العلاقات والأفعال والأسلوب. هل تصرف البطل بشكل صحيح عندما رفضته الفتاة التي يحبها؟ كيف يمكن لصديقتها أن تحب الولد نفسه وماذا تفعل؟ وهكذا.

قد يظن بعض الآباء والأمهات أن إحجام أبنائهم عن الحديث معهم ينبع من رغبة حقيقية لديهم. لكن وفقاً لدراسة استطلاعية أجرتها كلية الدراسات العليا للتربية والتعليم في جامعة هارفارد عام 2017، على عينة من 3000 شاب وشابة من جميع أنحاء البلاد في بريطانيا، والذين تقع أعمارهم بين 18 و25 عاماً، وجد الباحثون أن 70٪ منهم تمنوا لو تلقوا مزيداً من المعلومات من والديهم حول بعض الجوانب العاطفية لا الجنسية للعلاقات الرومانسية. كما تمنى 65٪ منهم أن يكونوا قد تلقوا إرشادات حول بعض الجوانب العاطفية للعلاقات الرومانسية في فصل التثقيف الصحي أو الجنسي في المدرسة. لذا فدور الوالدين في غاية الأهمية للحديث عن الجوانب العاطفية للعلاقات التي يدخلها أبناءهم لتوجيههم ونصحهم.

لذا، تذكر/ي أنه حتى وإن بدا ابنك غير منفتح للحديث معك، إلا أنه يكون في أمس الحاجة لمن يستمع إليه ويستشيره يأريحية دون خوف من إطلاق أحكام أو استخفاف وغيره، وعليه حاول/ي البحث عن المدخل المناسب لفتح الحديث وبادر/ي بتشجيعه، أو استعن بشخص مقرب أو متخصص/ة نفسي/ة.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

الحب ثقافة

‏الحب ثقافة منصة للنقاش البنّاء حول أمور الحب والعلاقات والجنس والزواج.