انجذاب وغيرة ومشكلات اجتماعية.. هل نميل بطبعنا إلى تعدد العلاقات؟

“الإنسان يميل إلى تعدد العلاقات بطبعه”، “لا.. الإنسان يفضِّل العلاقة مع شريك/ة واحد/ة لفترة طويلة من العمر”، “أظن أن الرجل أميَل إلى تعدد العلاقات من المرأة”.. نستمع كثيراً إلى هذه الافتراضات، فهل يوجد لها أساس علمي؟

مقال: منال زاهر

  “أحب زوجتي كثيرا وأظن أنها الزوجة المثالية لي، ولكنني أفتقد أشكالاً أخرى من التواصل والحميمية، أتمنى أن يكون لديَّ المساحة لهذا التواصل وإلا لن أكون سعيداً في زواجي، قد أفكر في الزواج مرة أخرى”.

ع. أ. رجل31

هل شعرت من قبل بانجذاب لأكثر من شخص في نفس الوقت؟ هل كنت في علاقة جادة ووجدت أنك ما زلت تهتم بامرأة أخرى وتشعر بالرغبة في استكشاف تلك العلاقة؟ هل تشعرين أن علاقتك بشريك حياتك تجعلك لا تهتمين بالرجال الآخرين؟

هل تسامحت من قبل مع نزوات زوجك لأن هذه طبيعة الرجال؟ هل شعرت بالانزعاج عندما مرت فكرة انجذابك لشخص آخر على ذهنك وأنت متزوجة؟ هل تعتبرون أن فكرة الانجذاب إلى أشخاص آخرين، وأنتم في علاقة جادة، تعد خيانة للطرف الآخر؟

تلك المشاكل والتساؤلات شائعة للغاية، نراها حولنا في كثير من العلاقات، ونقرأ عنها كثيراً في الصفحات والمجموعات الخاصة بمشاركة المشاكل الزوجية.

تطرح هذه الأفكار العديد من الأسئلة عن طبيعة الإنسان، هل هو أميَل للعلاقة الأحادية عن المتعددة أم العكس. قد يشيع في المجتمع أن الرجل أميَل للتعدد منه للمرأة، ويؤيد البعض هذه الفكرة أو يعارضها بآراء علمية.

ولكي قبل أن نتناول هذا الأمر، علينا أن نوضح عدة مفاهيم:

  • العلاقة الأحادية (الزواج بشخص واحد) monogamy: هو الزواج الذي يتعهد فيه كل طرف بالالتزام بزواجه من الطرف الآخر.
  • تعدد الأزواج Polygamy: هي العلاقة التي يكون أحد الطرفين أو كلاهما متزوجاً من أشخاص آخرين، وهي ممارسة أكثر شيوعاً بين الرجال لأسباب دينية ومجتمعية.
  • الحب المتعدد/ تعدد الأحبة: هو الارتباط أو وجود علاقة حميمية مع أكثر من شريك في نفس الوقت، مع معرفة وموافقة جميع الشركاء بهذا الوضع، وقد يكون أحد الشركاء شريكاً أساسياً في نفس وقت وجود ارتباط عاطفي أو جسدي بشركاء آخرين.
  • الزواج المتسلسل Serial monogamy: هو الزواج من شريك/ة واحد/ة لفترة، ثم الانتقال الى شريك/ة جديد بعد الطلاق أو وفاة الشريك الأول.

تاريخ البشر

كل من المؤيدين لفكرة أن البشر يميلون لتعدد العلاقات أو المعارضين لها، يحاولون البرهنة على رأيهم بنظريات علمية.

وبالفعل توجد بعض النظريات في علم الاجتماع التي تحاول أن تفسر متى وكيف بدأ البشر الالتزام بالعلاقات الأحادية كالزواج.

تطرح إحدى النظريات أنه في بداية الحضارة، كان البحث عن شريك للتزاوج هو الشكل السائد للعلاقات، ولكن قدرة النساء على التزاوج كانت تقل بشكل ملحوظ بسبب الحمل وفترة الرضاعة، نظراً لانشغالهن بالأطفال، مما أدى الى قيام بعض الرجال بقتل هؤلاء الأطفال حتى تصبح النساء قادرات على التزاوج مرة أخرى.

تقول نظرية أخرى إن هذا النظام كان يشجع على التنافس، فيحظى الذكور ذوي المنزلة الأعلى اجتماعياً بالعديد من النساء، بينما تبقى مجموعة من الذكور بدون شريكات.

تَطَوَّر شكل العلاقات الأحادية مع التطور الحضاري، وتُفَسِّر إحدى النظريات هذا التطور بالرغبة في حماية النسل، فقد لاحظ الرجال أن تواجدهم والتزامهم بالعلاقة مع النساء بعد الإنجاب يؤدي إلى حماية أكبر للأبناء، كما أن العلاقات الأحادية كانت تناسب المجتمعات المتطورة بشكل أكبر، لأنها تساعد على حفظ الملكية ونقلها إلى النسل عن طريق الوراثة.

بالرغم من تطور شكل العلاقات الأحادية، إلا أن أغلب المجتمعات (85%) ظلت تسمح للرجال بتعدد الزوجات.

بدأ الزواج يأخذ الشكل التقليدي الذي نعرفه الآن (الزواج الأحادي) في المجتمعات الغربية بين القرنين السابع والتاسع. وحتى القرن السابع عشر، لم تظهر قوانين تمنع تعدد الزوجات في بعض الدول.

بداية من القرن التاسع عشر، بدأت حركات ودعوات جديدة للحب المتعدد وليس فقط الزواج المتعدد، بزعم أن العلاقات الأحادية ليست من طبيعة الإنسان بل مفروضة عليه من المجتمع.

 لماذا ينجذب البعض لفكرة الحب أو الزواج المتعدد؟

“يظن العديد من الناس أن الحب المتعدد يعني نقصان الحب من إحدى العلاقات، تجربتي الشخصية هي أنه لا توجد كمية محدودة من الحب بل وفرة، وحينما أكون في علاقة مع شخص آخر، يزداد الحب بداخلي وأعود الى العلاقة الأساسية بالمزيد من الحب”.

ي. أ. رجل 32

عندما يشعر الشخص بانجذابه الى عدة أشخاص في نفس الوقت، يتيح له الحب المتعدد استكشاف تلك العلاقات دون الاضطرار للاقتصار على إحداها. وقد تسمح إحدى العلاقات بممارسات جنسية مختلفة أو أقل شيوعاً مع الاحتفاظ بعلاقة عاطفية رئيسية، بالإضافة إلى أن الفكرة تُشعِر البعض بالتحرر.

ولكن الفكرة لا تأتي دون العديد من العيوب والتحديات، مثل ميل أحد الشريكين أو رغبته في ممارسة الحب المتعدد مع عدم موافقة الشريك الآخر، أو أنه قد يصعب على أحد الأطراف تلبية احتياجات أكثر من شريك في نفس الوقت أو بذل الجهد في أكثر من علاقة.

كما أن وجود أطفال في أياً من هذه العلاقات قد يشكل تحدياً وضغطاً على الأطفال أنفسهم لعدم استيعابهم لشكل العلاقة أو لتعدد الآباء/الأمهات في حياتهم.

بالإضافة الى أن هذه العلاقات، رغم أنها مسموحة، لا تحظى بدعم مجتمعي كبير. وعلى من يخوضونها أن يتوقعوا ظهور العديد من المشاعر السلبية، مثل الغيرة، وكثيراً ما تنتهي تلك العلاقات أو تمتلئ بالمشاكل، لاختلاف التوقعات بين الشركاء.

لذلك ليس من الصعب توقع لماذا تعتبر العلاقات الأحادية هي الشكل الأكثر شيوعاً للعلاقات في وقتنا الحالي، فالعلاقات الأحادية تسمح بالاهتمام بالأطفال ورعاية الأسرة.

في دراسة أجريت عام 1980، لوحظ أن معدل وفيات حديثي الولادة في الدول التي ينتشر بها الزواج المتعدد يصل إلى %12.2، في مقابل 6.9% في الدول التي لا تسمح سوى بالزواج من شخص واحد.

كما ترتبط علاقات الزواج الأحادي بوجود مشاكل أقل داخل المنزل، فضمان تواجد الشريك في علاقات الزواج يسمح بحدوث علاقات أعمق ويرتبط بمعدلات أقل للقلق والاكتئاب، بالإضافة إلى أن العلاقات الأحادية تقلل من احتمالية حدوث اختلاط للأنساب، وتحمي من الأمراض المنقولة جنسياً في حالة خلو الشريكين من الأمراض.

بالرغم من المميزات العديدة العلاقات الأحادية، إلا أن لو كان أحد الطرفين غير مكتفٍ بها، ستظهر بها العديد من العيوب، مثل خوض ممارسات خارج إطار الزواج (الخيانة)، التي تؤثر على حياة الشريك وقد تشعره بانعدام الثقة بالنفس أو الآخر، وأحياناً ما تؤدي الى انتهاء العلاقة.

يخوض البعض تجارب قد تُعتبر حلاً وسطاً، وهي تجنب العلاقة أو الزواج القائم مدى الحياة، لصالح علاقات متسلسلة، أي إنهاء علاقة حب أو زواج ثم الدخول في أخرى، دون التعدد وسط العلاقة الأحادية.

الغيرة

 هدف العلاقات بالنسبة لي هي أن تجد شخصاً تشاركه كل لحظاتك، أظن أن الموضوع يفقد قيمته إذا كان هناك أكثر من شخص، وإلا فكيف تختلف العلاقات العاطفية عن الصداقة.

س.م. امرأة 25

ما إن نتحدث عن تعدد العلاقات حتى تقفز إلى أذهاننا كلمة “الغيرة”.

مشاعر الغيرة داخل العلاقات تختلف من شخص إلى آخر، إلا أنها عادة ما تكون موجودة، خاصة مع ظهور طرف ثالث في العلاقة.

كثيراً ما يتصرف الشريك من دافع تلك الغيرة، كأن يطلب من شريكه/ته الابتعاد عن بعض الأصدقاء أو تجنب العلاقات مع الجنس الآخر أو أماكن العمل المشتركة، ومن الشائع أن يُوَجَّه هذا الطلب للنساء أكثر من الرجال. فهل يشعر الرجل بالغيرة بشكل أكبر؟

في دراسة أجريت في عام 2015، وُجد أن الرجال يشعرون بالغيرة أكثر تجاه الخيانة الجنسية، في حين أن النساء يشعرن بالغيرة أكثر تجاه الخيانة العاطفية.

يفسر علم النفس التطوري هذه النتيجة بأن الرجل، خلال التطور، كان يهتم بفكرة أن يكون الطفل المولود من شريكته هو ابنه حتى يستثمر في تربيته وحمايته، فيشعر بالخطر في حالة شكه في نسب هذا الطفل، في حين أن المرأة ليس لديها شك أن الطفل المولود ابنها، فتهتم بشكل أكبر برعاية الرجل للطفل، وتوفير الحماية له. فالخطر بالنسبة للمرأة هنا يتمثل في نقص اهتمام الرجل بعائلته وليس ممارسة الجنس.

قد يشرح هذا التفسير بعضاً مما نلاحظه في العلاقات، ولكن علينا أن نضع في الاعتبار تغير شكل العلاقات الحالي، إذ لم يعد الإنجاب ضرورياً دائماً في العلاقات، وحتى مع وجود أطفال، تغيرت أدوار الرجل والمرأة من جهة إعالتهم.

ولكن إذا كان مصدر الغيرة مختلفاً بين الرجل والنساء، فهل تختلف قدرتهما على الحب المتعدد؟

الرجل متعدد بطبعه؟

“أشعر بالقوة كامرأة في ممارستي للحب المتعدد، يسمح لي باختبار أشكال مختلفة من الحب والممارسات الحميمية وخاصة أنني لا أؤمن بالزواج.

م. ب. امرأة 30

 ولكن بالنظر إلى شكل العلاقات الحالي الذي يتشارك فيه الرجل والمرأة مسؤولية تربية الأطفال، ونظراً لوجود وسائل منع الحمل واختيار الكثير من النساء تأجيل الحمل أو عدم حدوثه، يمكننا أن ندرك أن هذه الأسباب، لم تعد بالضرورة ذات صلة بالسياق الحالي.

الإنسان كائن اجتماعي

“كان الزواج قديماً يشبه وظيفة بدوام كامل، يتزوج الرجل ويتوقع أن يقضي في هذه العلاقة 50 سنة من عمره، حينما أنظر حولي حالياً، لا أظن أن هذا هو الوضع الذي نعيشه الآن.

أ. ز. رجل 30 سنة

ما زالت الكثير من المجتمعات تتقبل فكرة تعدد الحب والزواج للرجال وترفضه للنساء، وتستخدم في ذلك عدة أفكار ذكرناها مثل الخوف من اختلاط الأنساب.

أو قد يكون السبب هو ترسيخ الأدوار الاجتماعية التي تتقبل وجود الرجال من صغرهم في علاقات متعددة، وتتوقع من النساء أن يملن إلى الزواج والاستقرار في سن مبكرة.

في مجتمعاتنا يشيع رأي خاطئ بأن النساء ليس لديهن رغبة جنسية على الإطلاق، وأصحاب هذا الرأي يستنتجون أنه من المستحيل أن تنجذب النساء لأكثر من شخص مع غياب الرغبة.

ويوجد تصور أن الرجال هم من يعانون من الفتور أو الملل في العلاقة الجنسية بعد الزواج بشكل أكبر من النساء، ولكن هذا الرأي أيضاً ليس له أساس علمي.

بوجه عام، حتى الآن، لا توجد أي أبحاث تثبت اختلاف الرجال والنساء في القدرة على الانجذاب لأكثر من شخص أو الوجود في علاقات متعددة، والأمر كثيراً ما تحكمه الآراء الشائعة والتصورات المجتمعية عن دور الرجل والمرأة.

إذن، فهل من الطبيعي أن ننجذب لأكثر من شخص في نفس الوقت؟

لا يوجد ما يثبت أن تعدد الانجذاب أمر غير طبيعي، سواء بالنسبة للرجل أو المرأة، بل يعتبره البعض نوعاً من الميول الجنسية.

وفي المقابل لا يوجد عيب في شخص لا ينجذب إلا لشريك/ة واحد/ة، ويجد في هذا السعادة والإشباع. مثلما قد لا يحتاج البعض إلى أي شركاء على الإطلاق.

إذ كنت تحب/ين شخصاً، وهو يميل إلى آخر، من المتوقع أن تشعر/ي بالغيرة من جراء ذلك، وهذا أيضاً أمر طبيعي، طالما لم تتحول إلى غيرة مرضية تؤثر سلباً على حياتك.

الانجذاب في حد ذاته قد يحدث، قد تكون متزوجاً/ة وتنجذب/ين لشخص آخر، ولكن هل سيمتد هذا الانجذاب لاستعدادك لخوض علاقة مع هذا الشخص؟

هنا سندخل في نطاق التعدد، أو الخيانة.

إذا كنت في علاقة أحادية وشعرت برغبة في استكشاف انجذابك لشخص آخر، من المهم أن تفكر/ي في شريكك وفي تبعات هذا الانجذاب على علاقتك الحالية. وتوقع/ي أن من الممكن أن يفكر شريكك في إنهاء العلاقة. في كل الأحوال، من المهم التحدث إلى شريكك/تك ومصارحته/ا قبل اتخاذ أي خطوات، وإدراك أن العلاقات الأحادية هي الأكثر انتشاراً وتقبلاً في المجتمع. وفي حالة اختيار التعدد، توقع/ي ما قد يشمله ذلك من مسؤولية، وأن التعدد يحمل الكثير من القيود الدينية والمجتمعية.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

آخر التعليقات (3)

  1. مرحبا ،
    كثيرا ما تكتبون مقالات مطاطية ، تقولون رأيا وعكسه في آن واحد، تعبرون عن افكار معينة لكن على استحياء وبتوجس ، لكن حتى أفهم وجهة نظر الكاتب جيدا لدي سؤال بسيط وأرجوا الإجابة لو تفضلتم :
    أنتم تتحدثون عن العلاقات الجنسية بين البشر وليس بين كائنات أخرى لا نعرفها ، لذا أنا أتسائل بشكل بريئ هل ترون أن شكل العلاقة الجنسية و نوعها و طبيتعتها و مفاهيمها مثل التعدد أو عكسه و الإلتزام والاخلاص وعكسه وما قد يترتب عن ذلك مثل تكوين أسرة أو إنجاب أطفال وكل ما إلى ذلك ، هل ترون أن كل هذا من حق الفرد وحده (ولمعلوماتك : الفرد هنا لا أعني به شخصية في مسلسل كل شخصياته طيبة ملائكية ، بل أقصد به الفرد العادي الانسان المتعلم والغير متعلم ، الغني والفقير ، القوي والضعيف ، الطيب والشرير،الشرطي والمجرم ، الظالم والمظلوم ، الامين واللص ، الانسان الذي يشعل الحروب والانسان الذي يضحي من اجل الحق ، الانسان الذي بقرأة تاريخه نعرف كيف يتصرف … ) ، هل ترون أن كل ما يتعلق بالعلاقة الجنسية هو من حق هذا الفرد وحده حقا مطلقا ، لا ينازعه فيه أحد ، يستطيع أن يحدد به ويقرر كل ما يريد أن يفعله ؟ أم أنكم ترون أنه لا بد من وجود أنظمة أخلاقية وقانونية تنظم هذا الجانب الحساس من حياة البشر وتضع خطوطا حمراء وكادرات تنظيمية للعلاقات الجنسية حتى يتفادى الظلم والطغيان و ضياع الحقوق و توغل الاقوياء على الضعفاء و انهيار المجتمع ؟
    ارجوا التوضيح

    1. مرحباً بك،
      منصة الحب ثقافة مختصة بتوفير المعلومات العلمية المتعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية والعلاقات التي تمكن الفرد من اتخاذ قرارات واعية ومسئولة تجاه حياته/ا الجنسية.

      تحياتنا

  2. تكوين الاسرة والعمل على انشاءها وتطويرها من الاشياء المهمة للحفاظ على الامن القومي وتجنب افة الانقراض التي تهدد الكثير من المجتمعات المعاصرة..

الحب ثقافة

‏الحب ثقافة منصة للنقاش البنّاء حول أمور الحب والعلاقات والجنس والزواج.