بين مطرقة العادات وسندان المجتمع.. حكايات عن "لوم الضحية"
Pixabay

"الضحية" بين مطرقة العادات وسندان المجتمع

إيه اللي وداها هناك؟ لبسها السبب! معاملتها طفشته! طريقتها استفزته! هي اللي خلته يضربها! أهملته فخانها! هكذا توارثت الأجيال لوم النساء!

العنف، التحرش، الاغتصاب، الطلاق، الخيانة - حكايات تؤرق مجتمعنا، والغريب أن المُلام الأوحد فيهم هي المرأة. نجدها مطحونة معنوياً باعتبارها هي المسؤولة الوحيدة عن كل هذا الخزي والألم.

إيه اللي وداها هناك؟ لبسها السبب! معاملتها طفشته! طريقتها استفزته! هي اللي خلته يضربها! أهملته فخانها!

هكذا توارثت الأجيال لوم النساء!

كيف اغتصب الأخ أخته وأصبحت هي المُلامة؟

كل يوم تصرخ "سلمى" طالبة النجدة والإغاثة! كل يوم يضربها الأخ أمام الأم والأب والجيران. تدافع الأم عن ابنها قائلة: "اسمعي كلامه واتقي شره!" تبكي "سلمى"، ومع تكرار الضرب وتكرار الخذلان، صدقت الفتاة أنها يجب أن تخضع وتسكت.

بعد الضرب المبرح والعظام المكسورة، بدأ الأخ بلمس المناطق الحساسة في جسد "سلمى". ثم بدأ يستبيحها ويهتك عرضها تحت التهديد، إلى أن اغتصبها مرات ومرات تحت تهديد السلاح.

بعد أول مرة، خرج وتركها على الأرض مقيدة بحزامه، فمها مكمم بغطاء رأسها، تنزف، وتبكي. كان يعلم أنه سيأمن العقاب وكانت تعلم أنها ستتلقى كل اللوم.

عندما علم الأهل بما حدث، حكموا بأنها المخطئة! لطمت الأم وانتحب الأب خوفاً من الفضيحة!

"سلمى" هي الفضيحة!

كأنها لعنة من الله أن خلقتها أنثى، تردد والدتها على مسامعها الكثير من العبارات التي تحملها وزر جريمة الأخ:

"مش عاوزين فضائح! لبسك في البيت أغراه! "سهوكة" البنات استفزت رجولته المكبوته! جسمك فاير وهو شاب!"

لوم الضحية
Pixabay


من أين تأتي ثقافة لوم الضحية؟

أكدت "غادة الرميلي"، خبيرة العلاقات الأسرية والمعالجة النفسية، أن ثقافة لوم الضحية منبعها الفطرة وقام المجتمع بتغذيتها. هو ما يعرف في الطب النفسي بـ"الإزاحة".

هذا ما نراه في الأطفال بوضوح؛ إذا ما تم الاعتداء على طفل من قِبل طفل آخر، نجده يبحث عن طرف أضعف، قد يكون أخته الصغرى، أو طفل أضعف منه، ليمارس عليه نفس الاعتداء الذي تمت ممارسته عليه.

لا يواجه المعتدى عليه الطرف القوي خوفاً منه، ولهذا يبحث عن طرف أضعف لينتقم منه.

أشارت "غادة" أن المجتمع اختار المرأة، ومن بعدها الأطفال، ليكونوا أضعف حلقاته. هكذا نجد أن المجتمع حول المرأة إلى طرف قليل الحيلة، دائم الشكوى والاستغاثة، وأصبحت هي المُلامة عن كل ما تواجهه من تنمر وإيذاء.

لوم الضحية
Pixabay


من الزواج للطلاق، الغلط راكبها "من ساسها لراسها"

كانت مريضة، تملص الزوج من مسؤولية علاجها ورعايتها، ورماها لأهلها. كانت تتعافى عند أهلها، فخانها زوجها مراراً على فراشها في بيت الزوجية. عادت إلى المنزل فضبطته متلبساً بخيانتها!

صدمت! ثارت! طلبت الطلاق! لاموا عليها مرضها! اتهموها بإهماله! برروا خيانته! عادت له مذبوحة مجروحة مهانة!

"مطلوب مننا أننا ما نحسش ولا نتوجع لأن الغلط دايماً عندنا والحق دايماً علينا."

أصرت على الطلاق وحصلت عليه! فتح عليها باباً آخر من أبواب المجتمع الجهنمية! وصمها المجتمع لأنها "الزوجة اللي زوجها خانها"، "مطلقة"، "أم عزباء تربي طفلة وحدها."

لامها الأهل قبل الغرباء لأنها لم تتحمل ولم تسامح ولم تصبر على الخسة والغدر والخيانة. أصبحت منبوذة وسط مجتمع يدعي "الفضيلة" فغاب عنها الأصدقاء والأخوة وسند الأهل.

رسخ المجتمع، من خلال العادات والتقاليد، طقوس "لوم الضحية" – تلك الطقوس المتوارثة جعلت "لوم المرأة" يقيناً ينمو مع كل أنثى منذ نعومة أظافرها. مع الوقت، تعتاد الفتيات اللوم باعتباره أمراً طبيعياً.

لوم النفس وجلد الذات والشعور بالذنب – هذه حياة الكثيرات في هذا المجتمع. ينظرن للخلف كل يوم في رحلة، بلا جدوى، لتغيير الحاضر والمستقبل.

تفتح كل فتاة باب الشيطان، وتسأل: ماذا لو؟ ماذا لو لم أرتدِ كذا؟ ماذا لو لم أقل كيت؟

كيف نكسر دائرة اللوم؟

أوضحت "غادة"، أن كسر دائرة اللوم يأتي بمواجهته والتصدي له، وعدم لعب دور الضحية. على المرأة أن تستجمع شجاعتها وتأخذ قراراً حاسماً بالمواجهة.

 فتقول مثلاً، إذا تم التحرش بفتاة، واتخذت رد فعل فوري بضرب المتحرش، فإن الكثير من أفراد المجتمع سوف يدعمونها باعتبارها تأخذ حقها - باستثناء قلة قليلة.

نفس المجتمع هذا، سوف يلوم عليها إذا صرخت "امسكوه اتحرش بيا" وتأتي التبريرات باعتبارها الطرف الأضعف، لأنها لم تأخذ قرار المواجهة.

نفس الموقف الحاسم الذي تتخذه المرأة بالخلع.

عندها يعاملها المجتمع باعتبار الخلع حق لها، وقرار لا يمكن النقاش فيه. على عكس الطلاق الذي تستجدي فيه المرأة الرجل، فدائماً يعامل المجتمع المرأة المطلقة باعتبارها طرف أضعف.

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.