طفلة حزينة خلف حجاب
Wikimedia Commons

زواج القاصرات في مصر: إلى متى؟

"عندي 7 أخوات، ووالدي يعمل بائعاً متجولاً، ولا يكفي دخله حتى لشراء العيش الحاف، لذا فقد كان يقبل بزواج أي واحدة منا لأول عريس يتقدم لها...

"تزوجت أختي الكبيرة برجل يكبرها بعشرين عاما، ولديه ستة أبناء من زيجاته السابقة، وبعدها تزوجت أختي التي تليها من أحد أبناء زوج أختي. أما أنا، فمنذ فترة قريبة تزوجت من شاب يبلغ 18 عاماً، وبسبب صغر سني، لم أستطع تحمل مسؤوليات المنزل واحتياجاته، وكانت النتيجة أن أعادني زوجي إلي بيت أبي بعد 10 أيام فقط من الزواج".

كانت تلك إحدى الشهادات التي عرضتها إحدى الباحثات الميدانيات في مؤتمر مكافحة الزواج المبكر الذي أقامته الجامعة الأمريكية بالقاهرة في صيف 2014 تحت رعاية مؤسسة فورد.

يعتبر الزواج المبكر إحدى الظواهر المنتشرة في مصر، خاصة بين سكان قرى الصعيد و الدلتا، حيث يتم تزويج الفتيات دون سن 18 عاماً، إما من خلال ما يعرف بـ "زواج السنّة" أو بتزوير شهادات تسنين لتغيير السن الحقيقي للفتاة، لأن القانون المصري يمنع زواج الفتيات دون سن الـ 18. يذكر أنه وفقاً لآخر إحصائيات المركز القومي لحقوق المرأة، فإن 36% من زيجات الريف تقع في سن يقل عن 16 عاماً، في حين تبلغ نسبة الإناث اللاتي تزوّجن دون السن القانونية في الحضر 9.1%.

ناقش المؤتمر أسباب هذه الظاهرة ، حيث جاء في مقدمة هذه الأسباب العوامل العشائرية وتفضيل زواج الأقارب أو أبناء القبيلة الواحدة. الفقر الذي تعاني منه غالبية الأسر في قرى مصر ونجوعها كان أيضاً عاملاً للاقدام على هذا النوع من الزواج. اختلفت الأسباب، لكن تبقى الفتاة، أو بالأحرى "الطفلة" المصرية، تعاني من أزمة هوية. فهي لا تعرف إن كانت طفلة تلهو و تستمتع بحقها في " اللعب"، أم "ست بيت" مسئولة عن زوج وبيت وأسرة.

أوردت إحدى المشاركات في المؤتمر شهادات مؤلمة لفتيات صغيرات تم تزويجهنّ مبكراً في نجع حمّادي، ومعاشرة الزوج البالغ من العمر أربعين عاماً لفتاة لم تكمل عامها الثالث عشر. تقول الفتاة: "ماعرفش حاجة. أهلي ما كلمونيش قبل الدخلة عن أي حاجة من اللي هاتحصل. كنت فرحانة بالفستان والجهاز والدهب اللي اشتراه لي، بالليل بلاقيه فوقي ويخلّص اللي جاي علشانه، ويديني ظهره بعدها و ينام، مابحسش بأي حاجة...".

كان مما ورد في المؤتمر منع قانون الأحوال الشخصية "توثيق" زواج من هم دون الثامنة عشر، دون منع "الزواج" نفسه. لذلك، يلجأ الأهالي العازمين على الزواج المبكر إلى "تسنيين الفتاة" من خلال طبيب الوحدة الصحية، أو إتمام الزواج (المبكر) وإشهاره بين الأهل و الأقارب والمعارف، ليتم توثيقه فيما بعد حين تبلغ الفتاة السن القانونية. ويترتب على ذلك حرمان الأطفال - الذين يتم انجابهم عبر هذه الزيجات غير الموثقة - من التطعيمات الإجبارية لعدم امتلاك والديهما وثيقة زواج أو شهادة ميلاد للأطفال، فيضطرون مواجهة مصيرهم لوحدهم مع الأمراض المختلفة التي يتعرض لها الأطفال. كما أن مواليد الزيجات غير الموثقة يفقدون حقهم في سنوات التعليم الأساسية، حتى يتسنى للأبوين تسجيلهم في السجل المدني. تضيع عليهم بعض السنوات لأنهم يدخلون المدارس في سن أكبر بكثير من السن المفترض. هذا إضافة إلى أن الزواج غير الموثق يعرض حقوق الزوجة للضياع في حال وفاة الزوج أو الطلاق أو إنكار النسب.

وإذا حدث أن حملت الزوجة، وأنكر الزوج نسب الطفل، أو توفى قبل أن تضع الزوجة طفلها، لا تجد الزوجة أو أهلها دليلاً يثبت نسب الطفل/ة لأبيه أو حقه/ها في الإرث. وفي حال حدث طلاق قبل توقيع عقد زواج رسمي، لا يمكن إخراج قسيمة تثبت الطلاق، وإذا حدث أن أرادت المطلقة أن تتزوج ثانية، يقع المأذون في مأزق. فهو لا يستطيع كتابة العقد لها لعدم وجود اثبات مصدّق قانونياً لزواجها السابق، وإذا كتب أنها "بكر"، يكون قد زوّر في العقد.

فِضِلت أنزف ١٥ يوم من بعد ليلة الدخلة، وأهلي وأهله ما ودونيش لدكتور علشان مايروحوش في داهية


أكدت الدراسات التي عرضها المشاركون في المؤتمر على فشل تلك الزيجات، كون الفتاة تجد نفسها بين ليلة وضحاها مسؤولة عن أسرة في الوقت الذي لم تصل فيه بعد للنضج النفسي والجسدي. طالب المشاركون الدولة بالقيام بدورها في التصدي للظاهرة من خلال فرض الرقابة وتفعيل العقوبات، كما طالبوا المجلس القومي للمرأة بإعداد برنامج لمواجهة الظاهرة، بدءاً بتنظيم حملات توعية في أرجاء البلاد للتحذير من مخاطر الزواج المبكّر.

"فِضِلت أنزف ١٥ يوم من بعد ليلة الدخلة، وأهلي وأهله ما ودونيش لدكتور علشان مايروحوش في داهية، فِضِلت في البيت، والداية تيجي تبص عليّ كل يوم لحد ما النزيف وقّف". كانت تلك شهادة لفتاة من إحدى قرى الدلتا تصف فيها ماتعرّضت له بعد دخول الزوج بها وهي لم تتعد الـ 12 عاماً.

تشير البحوث الميدانية التي أجراها المركز القومي للصحة والسكان في مصر إلى أن السبب الرئيسي الذي يدافع به أهالي هؤلاء الفتيات هو " سُترة" الفتاة، لأن الزمن تغيّر و أصبح من غير المضمون بقاء الفتاة بلا زواج لوقت متأخّر، فتتعرض لكلام الناس باعتبارها "عانس". وتقول والدة إحدى الفتيات "ايوة طبعا الجواز "سُترة" للبنت من البلاوي اللي بتحصل اليومين دول، أنا مش هاستنى اشوف بنتي بتهرب مع واحد "لاف عليها"، و أهي بتكبر و بتتعلم في بيت جوزها إزاي تبقى ست بيت زي ما كلنا كبرنا وتعلمنا".

و قد خرج المؤتمر بعدة توصيات أبرزها تعديل قانون الأحوال الشخصية، والضغط على تجريم الزواج المبكر بشكل أكثر جدية، وفرض القيود على الوحدات الطبية الريفية فيما يتعلق باستخراج شهادات" التسنين" وسقوط القيد بالسجلات المدنية.

وكانت التوصية الأهم نشر الوعي المجتمعي بين أهالي المناطق التي تنتشر بها الظاهرة،  وتوعية الأهالي بمضار الزواج المبكر،وأن تتصدى الدولة بشكل جدي لمثل هذه الممارسات. جدير بالذكر أن الزواج المبكّر بالريف يحرم 47% من الفتيات من فرص استكمال تعليمهن، و أنّ 110 آلاف طفل وطفلة يلدون كل عام نتيجة للزواج المبكّر، لأمهات تتراوح أعمارهنّ بين 16 و 19 عاماً، طبقا لدراسة قام بها مركز المعلومات.

شاركنا النقاش واترك/ي تعليقك أدناه أو عبر صفحاتنا عبر فيسبوك وتوتير.

Comments
Add new comment

Comment

  • Allowed HTML tags: <a href hreflang>
  • Lines and paragraphs break automatically.