الغيرة
Shutterstock

الغيرة.. القاتل الصاخب للحياة الزوجية

ألّفه أمنية طلعت الجمعة, 07/03/2020 - 07:47 م
قد تكون الغيرة شعوراً طبيعياً، ولكن ينبغي الحذر إذا تحولت إلى هوس لأنها قد تدمر الحياة الزوجية.

في العلاقات العاطفية تقف الغيرة بين المرتبطين كنوع من أنواع  متطلبات العلاقة، حتى أن بعض الفتيات يعتبرن الرجل الذي لا يغار ناقص الرجولة أو ربما لا يحبهن بما يكفي.

نفس الشيء بالنسبة للرجال، يشكون في نسائهم إذا لم تُبد غيرتها عندما ينظر لأخرى أو يتحدث إلى زميلة من زميلاته.

الحقيقة هي أن كثيراً ما تكون الغيرة نوعاً من أنواع الشعور بالنقص لدى الشخص الذي يغار، خاصة لو وصل الأمر إلى حدود المرض النفسي وتدمير أشكال الحياة المتوازنة والهادئة مع الشريك.

لا تنخدعوا بالشخصية الغيورة معتقدين أن الغيرة فرط محبة، لتكتشفوا حقيقة المأساة بعد فوات الأوان!

 

الغيرة مبرراً للاستغلال

 

حلمت فاطمة في بداية حياتها أن تكون مطربة مشهورة. كانت تمتلك كافة المقومات التي تؤهلها لذلك، وبالفعل استطاعت تحقيق خطوات تبشر بالمستقبل العظيم، لكنها قابلت محمد الملحن الشاب فوقعت في غرامه فوراً، وبالفعل تقدم لخطبتها فشعرت أنها امتلكت الدنيا وما عليها!

في بداية الخطوبة كانت تشعر بالفرحة عندما يبدي غيرته عليها إذا ما تحدثت إلى زميل من زملائها أثناء بروفات الحفلات، لكن الأمر تكرر بتصاعد حدة ردة فعله، فها هو يعنفها عندما تبادل زميل لها الابتسامة بأخرى، وها هو يتهمها في إخلاصها له إذا ما وقفت لالتقاط صورة مع معجب بصوتها.

حتى وصل الأمر لصفعها على وجهها في إحدى الحفلات عندما أطال أحدهم ضمه لكفها، خلال مصافحتها، وهو يمدح صوتها وفنها.

كانت واقعة الصفع كفيلة بإنهاء علاقتهما وفسخ الخطوبة، ولكنه بكى لها وأكد أنه يحبها بجنون ويخاف أن تتركه لتذهب إلى غيره. لم تدرك فاطمة في سنها الصغيرة أن خطيبها مريض بالغيرة، وأن ما فعله لن يكون التصرف الأول أو الأخير، بل سيكون سمة عامة لحياتها معه.

الغيرة
shutterstock

أكملت فاطمة الزيجة رغم إرادة أمها التي رأت أن محمد أقل منها موهبة وقدرة على العمل والتطور، وأنه لن يكون معيناً لها في الحياة، بل سيشكل عقبة دائمة في سبيل حياتها وتحركاتها.

لم تصدق فاطمة أمها واتهمتها بأنها تفعل ذلك لتجبرها على الزواج من ابن خالها، لكنها اصطدمت بالحقيقة بمجرد زواجها، حيث الغيرة المستمرة والتشكيك في شرفها واتهامها بالخيانة مع زملائهما في العمل الفني.

وعندما قاومته، تعرضت للضرب المبرح والتهديد بالحرمان من ابنتيها اللتين أنجبتهما في أول عامين من الزواج، حتى وصلت لدرجة الشك في نفسها وأنه قد يكون محقاً في اتهامه لها بالعهر، فوقعت في براثن جلد الذات كلما ابتسمت أو تحدثت بود مع أحد الزملاء.

في النهاية تركت عملها وجلست في منزلها تحاول أن تربي ابنتيها في صمت وهدوء، لكنها لم تحصل على ذلك أيضاً إذ بدأ زوجها في استغلالها، بتوقيع عقود حفلات باسمها لتعمل تحت إمرته دون أن تتقاضى أي مقابل.

استغل موهبتها لحسابه الشخصي، ورغم ذلك لم يتوقف عن إيذائها واتهامها بالعهر والخيانة، إذا ما حاول أحد معجبيها التعبير عن إعجابه بصوتها!

الآن وبعد مرور السنين اكتشفت أنها فقدت كل شيء، حلمها بتحقيق النجومية والحياة الزوجية المستقرة والأمان المادي وحتى حبه الذي بررت به كل ممارساته العنيفة باسم الغيرة، ولم يعد لديها اختيار سوى تكملة حياتها مع زوجها الذي لم يغير أسلوبه ولم يتوقف عن غيرته المدمرة رغم تقدمهما في العمر وضياع كل شيء.

 

علم الغيرة الأحمر

 

على الجانب الآخر من النهر يقف حسين الصحفي الشاب الذي قدم إلى القاهرة لتحقيق حلمه في الصحافة والأدب، وبالفعل تمكن من قطع شوط كبير في درب النجاح وحقق استقراراً مادياً معقولاً جعله يفكر في الزواج، ولكنه قرر أن يختار عروسه بطريقة تقليدية.

المرأة الغيور
shutterstock

ترك لأمه مهمة اختيار فتاة مناسبة له من بلدته الريفية، خريجة جامعية من بيت متعلم وحسنة المظهر، وبالفعل عثرت والدته على الفتاة المطلوبة وتمت الزيجة بسرعة.

قرر حسين أن يخرج بزوجته إلى مجتمع المثقفين في القاهرة حيث يتعامل الرجال والنساء بببساطة ودون تعقيدات العادات والتقاليد الشرقية، ما سبب أزمة لدى زوجته الريفية التي شعرت بأنها أقل كثيراً من النساء في مجتمع المثقفين.

بدلاً من أن تحاول تطوير نفسها وسلوكها لتليق بالبيئة الجديدة التي دخلت فيها، رفعت أعلام الغيرة الحمراء، وبدأت صراعاً كبيراً مع كل زميلات زوجها متوعدة لكل من تقترب منه بالويل والثبور!

تحولت حياة حسين بالتدريج إلى جهنم حمراء، فها هو يفقد حياته وسط زملائه من الأدباء والمثقفين تدريجياً.

ابتعد الجميع نساءً ورجالاً عنه اتقاءً  للمشاكل التي تثيرها زوجته كلما تحدث بود إلى صديقة، أو كلما جامل زميل الزوجة، حيث كانت تتهمه بأنه ليس رجلاً حقيقياً لأنه يترك الرجال يتحدثون إليها دون أن يعنفهم، حتى أثارت معركة كبيرة مع إحدى الكاتبات واتهمتها بأنها ترغب في اختطاف زوجها "حسين" منها، ووصلت المعركة إلى مد الأيدي!

اختفى حسين بعد ذلك ولم يعد يظهر في مجتمعات الكتاب والمثقفين، واختفى إنتاجه الأدبي أيضاً، مكتفياً بوظيفته الروتينية في إحدى الصحف حتى لا يعيش أبنائه بين أب وأم منفصلين، لكنه بمجرد أن شب أبنائه عن الطوق، طلق زوجته وعاد للبحث عن حياته التي ضاعت، لكن بعد فوات الأوان.

الغيرة ليست حباً إنما شعور بالنقص ورغبة في امتلاك الطرف الآخر والاستحواذ عليه بطريقة مرضية، إنها سلاح غاشم يدمر صاحبه ويدمر الطرف الآخر أيضاً، ما يؤدي إلى خلق بؤر تعيسة للحياة تنتشر تدريجياً لتنسحب على المجتمع كله.

الحياة السعيدة بين المرتبطين لا يوجد من ضمن بنودها الغيرة، ولكن الاحترام والتفاهم والثقة.

 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.