العنف المنزلي
الحب ثقافة

المنزل ليس آمناً على للنساء.. شهادات عن العنف في ظل الإغلاق

ألّفه آية عبد الرحمن الجمعة, 07/10/2020 - 07:30 م
اضطرتنا جائحة الكورونا لالتزام منازلنا، ضايقنا ذلك أحياناً، وبعضنا استمتع به. ولكن رغم أن البيوت عادة ما تكون مقر الأمان، فهي ليس كذلك دائماً بالنسبة للنساء.

"بعد تفشي فيروس كورونا التزمت المنزل مع عائلتي، واشترينا كل ما نحتاجه للانعزال فترةً طويلة. كنت مطمئنة لأني أعمل من المنزل، وبوسعنا البقاء في أمان لأطول فترة ممكنة، لكن المتاعب بدأت بسبب أخي".

هكذا تحكي سمر، 30 عاماً، لتفتتح سلسلة من الحكايات عن العنف الذي تتعرض له النساء في زمن الكورونا، والذي يضيف إلى مخاوفهن العادية مخاوف من نوعٍ آخر في وقتٍ عسير على الجميع.

"أخي عاطل عن العمل ومدمن لمخدر الحشيش، تَحَمَّل الحجر أسبوعاً واحداً، بعدها بدأ يسيء معاملة كل من بالبيت، ثم قال لي صراحة إنه لن يبقى في المنزل إلا لو منحته من المال ما يكفي لشراء الحشيش بانتظام. رفضت، فانفتحت عليَّ أبواب الجحيم".

 

لا مهرب من المسيئين

ألقت جائحة فيروس كورونا بالعديد من الجوانب السلبية على حياتنا، من أخطرها تزايد العنف ضد المرأة خلال العزل المنزلي.

مع الإغلاق العام، ارتفعت نسب الإبلاغ عن العنف ضد المرأة إلى أضعاف معدلاتها الطبيعية، في ظاهرة عالمية صادمة.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن إقليم شرق المتوسط (ويضم قبرص وبلاد الشام)، يشهد حالياً ثاني أعلي معدل لأعمال العنف ضد النساء على مستوى العالم، بنسبة 37٪.

الوضع في باقي البلاد العربية لا يختلف كثيراً، وحذرت منظمات نسوية من ارتفاع العنف ضد النساء في ظل الحجر المنزلي بعد مقتل فلسطينيتين، وسجلت تونس خمسة أضعاف حالات العنف ضد المرأة في فترة الحظر، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، ورصد المجلس القومي للمرأة في مصر تضاعف الشكاوى بنسبة 1000٪.

 

مع العائلة ليس دائماً الأفضل

 

"لا شيء يخيفنا إذا كنا منعزلين في بيوتنا آمنين مع من نحب". عبارة لاقت صدى واسعاً في بداية الجائحة لتحفيزنا على البقاء في المنزل، وعدم الخروج للخطر. لكن، بالنسبة لكثير من النساء كان المنزل هو الخطر.

تسببت الجائحة في حبس ملايين النساء في منازلهن مع شخص عنيف، أو أكثر، في وقت يصعب فيه الحصول على مساعدة السلطات، بسبب انشغال الدول في مكافحة الوباء.

يضع العزل المنزلي أيضاً واجبات إضافية على السيدات، من رعاية العائلة والأطفال، وتلبية طلبات الشريك، والكثير من الضغط النفسي.

العنف في زمن الكورونا
shutterstock

وبعيدًا عن الجائحة، فقضاء وقت طويل مع العائلة ليس أمراً وردياً كما نعتقد. تقول ماريان هيستر، عالمة الاجتماع بجامعة بريستول، إن الحظر العام له تأثير على زيادة التوتر والعنف الأسري، وهو ما يحدث عادة في أوقات الإجازات والعطلات الطويلة، وهي أوقات سعيدة في ظاهرها.

أمَّا في زمن الكورونا فالوقت الذي تقضيه العائلات معاً يحمل نفس التوترات، وتضاف إليه الكثير من المشاغل والأعباء، فيصبح أشد اكتئاباً، وله جوانب أكثر خطورة.

 

شهادات عن العنف

يختلف العنف ودرجاته في فترة العزل المنزلي، مع التغيرات النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي نمر بها.

تحكي زينب، 23 عاماً:"اعتدت المشاكل بين أبي وأمي منذ الصغر، لكن بعد جائحة كورونا تفاقم الوضع. لقد تضررت تجارته بسبب الحجر، ما سبَّب بعض التقصير في مصروفات البيت. لا مشكلة لدينا، لكنه يتصرف بحساسية مبالغ فيها وجعل فترة العزل لا تطاق. أريد أن أخبره أن الرفاهية لا تعنيني وأتمنى لو يعاملنا بلطف، لكنني أخشى أن يعنفني ويسبب المزيد من المشاكل لأمي".

ومن منظور الزوجة، تحكي مريم، 35 عاماً، عن معاناتها: "زوجي رجل مسيء في الظروف العادية، أمَّا الآن فقد تحول إلى قنبلة موقوتة، يقضي أغلب اليوم بالمنزل، لا يتوقف عن الشجار والصراخ، ولا يطيق سماع صوت حوله، ولا يعجبه أي شيء، حتى صمتي وتفادي الصدام يثير عصبيته. بعد يوم طويل من تحمل هذا الضغط أجده ينتظر أن أدلله، ونتشاجر لأنني (أقصر في حقوقه الشرعية)".

تزايد الإساءة في فترة العزل كان ملحوظاً في كثير من العائلات.. تقول آمنة، 63 عامًا: "ابني عامل باليومية، تأثر دخله بعد أزمة كورونا ما جعله عصبياً ويضرب زوجته وأطفاله. لجأت إليَّ زوجته أكثر من مرة تستغيث (هي ابنة أختي)، لكنه يعاود عنفه بعد كل صلح، نتمنى أن ينتظم عمله مرة أخرى ليغادر البيت فقط ويتركهم".

الإساءة لا تقتصر على الرجال فقط في زمن العزل، تقول نادية، 21 عاماً: "أختي الكبرى هي أكبر مصدر للضغط في حياتي، وجعلت تلك الفترة عصيبةً للغاية عليَّ. أنا وهي مختلفتان كثيراً في الأفكار ونمط الحياة، هي متدينة ومتشددة فتستغل هذا للتسلط عليَّ بحجة الخوف على مصلحتي، وإذا لم ألتزم بما تقوله تثير غضب أمي ضدي وتورطني في مشكلات".

العنف الأسري
shutterstock

في الأيام العادية كنت أذهب للعمل صباحاً وأخرج مع أصحابي آخر النهار لتقليل مساحة الاحتكاك بها، أمَّا الآن فأنا مضطرة للصمت والتجاهل حتى ينفتح المجال العام مرة أخرى وأهرب منها. أنا لست الاستثناء، كثيرات من صديقاتي يعانين من أمهاتهن وأخواتهن كما يعانين من إخوتهن وآبائهن وأكثر".

بعض الأشخاص اختبروا تغيراً نفسياً كبيراً في فترة العزل، غيّر معاملتهم لأفراد عائلتهم، فتحكي دعاء، 25 عاماً:

"بابا رجل طيب، كنت أحسد نفسي عليه، لكن الوضع تغير بعد كورونا. أصبح يلاحقني وأخواتي بالتعليقات، عن ملابسنا وصوت ضحكنا وحتى استخدامنا للإنترنت! ويتشاجر مع ماما لأتفه الأسباب".

"قد تبدو تصرفاته تافهة، لكن وجوده في البيت صار مزعجاً، لدرجة أنني ارتحت حين علمت بقرار فتح المقاهي، وأنه سيخرج ولو ساعة يومياً لنستريح من تصرفاته العجيبة. أصبحت أتوتر حين يناديني، وأشعر بالضغط لأن لدي مشاكل كثيرة في عملي ولست بحاجة لأحد يفرغ فيّ توتراته".

على الناحية الأخرى يحمل البعض مخاوف من التحول لأزواج وآباء مسيئين، ويحكي هذه التجربة أحمد، 33 عاماً:

"أعرف ما يعنيه العنف ضد المرأة، وأرفضه جملة وتفصيلاً، لكن بعد الجائحة اضطررت للعمل من المنزل، وتحاصرني ضغوط نفسية واقتصادية مختلفة، وأخشى خسارة عملي في أقرب حركة تسريح. وجدت نفسي أصيح في زوجتي أكثر من مرة بلا سبب منطقي، كما أن ضوضاء الأطفال خلال النهار تصيبني بالجنون".

"يطاردني كابوس أن أتحول إلى أب مسيء، لهذا أنعزل في غرفة بعيدة وقت العمل، وبعد العمل أحتاج للراحة والتخلص من التوتر فأدردش مع أصحابي أو ألعب وأنا أيضاً منعزل. نحن الآن تحت سقف واحد لكنني بعيد عنهم أكثر مما كنت وأنا أعمل خارج المنزل. أريد إصلاح الوضع لكن ليست بي طاقة لمجرد المحاولة".

 

لماذا العنف في زمن الكورونا؟

يرتبط العنف ضد المرأة في كثير من الأحيان بالظروف الاقتصادية السيئة، وفترات الأزمات العامة والكوارث الطبيعية والأوبئة والحروب.

وفي زمن الكورونا، تتأثر الأوضاع الاقتصادية سلباً لملايين الأشخاص، ما يجعلهم مضغوطين لدرجة تدفعهم لتفريغ عصبيتهم في الطرف الأضعف، ويتفاقم الوضع مع استهلاك الكحول والمخدرات للتغلب على المشاعر السلبية.

عنف الشقيقات
shutterstock

في مجتمعاتنا الشرقية يزداد العنف ضد المرأة لعوامل إضافية، مثل الأعراف والمعتقدات والتقاليد الموروثة، والتي تضع المرأة تحت سلطة الرجل، وتمنحه حق استخدام العنف تحت مسمى "التربية، الاحترام، الحق الشرعي" وغيرها.

تقول الدكتورة دينا نبيل، طبيبة الأنف والأذن والحنجرة بوزارة الصحة المصرية: "بحكم تخصصي تأتيني الكثير من الإصابات بسبب العنف الزوجي، وتتراوح الإصابات ما بين قطع طبلة الأذن بسبب صفعات الزوج أو الضرب على الوجه، وبين كسر الأنف بسبب دفع الزوجة بقوة لتسقط أو ترتطم بشيء، وعادة ما يدّعي الزوج المعتدي أن الزوجة (وقعت على ودنها أو وشها)".

"من أبرز الحوادث التي عاينتها لزوج يبدو وكأنه تحت تأثير مخدر ما مع زوجته المنقبة المصابة بقطع في طبلة الأذن، وكان غاضباً لأنه يريد (حقه الشرعي) من الزوجة، وعليّ أن أكتب لها دواءً يشفيها سريعاً لأنها تتحجج بألم أذنها عندما يطلب منها ممارسة الجنس!"

وعن أسباب العنف ضد المرأة تقول الدكتورة دينا: "رأيت حالات العنف الأسري بين أشخاص متعلمين، وبين الطبقة المتوسطة ميسورة الحال، فلا يمكن إرجاعها للفقر أو الجهل تماماً، لكن السبب الذي لمسته بقوة عند أغلب الحالات هو الاستحقاق؛ شعور الرجل بأن من حقه تعنيف زوجته بضربها وإهانتها، وأن من حقه تقويمها وتهذيبها.

"نفس شعور الاستحقاق هذا ما يجعل آباء وأمهات كثيرين يمارسون العنف على أطفالهم والتسبب لهم بإصاباتٍ شديدة أيضاً".

تضيف الدكتورة دينا نبيل أن الأزمة متجذرة بشدة في مجتمعنا، ترسخها موروثات دينية وجهل وعادات مجتمعية، وحتى إقرار قانون جديد أو تخصيص رقم ساخن لن يحل المشكلة في يومٍ وليلة، لهذا تنصح السيدات بحماية نفسها بشكلٍ حاسم من أبسط بادرة عنف.

 

اخرجي من الفخ بأسرع وقت ممكن

 

رغم قسوة الوضع على ملايين النساء حول العالم، إلا أن الاستغاثة من العنف المنزلي حاليّاً تعتبر أكثر صعوبة، والوصول إلى نجدة قد يستغرق وقتاً، مع هذا لا تتهاوني في حماية نفسك ومحاولة النجاة، سواء في زمن الكورونا أو أي زمن آخر.

 

  • لا تتقبلي الوضع

أحيانًا نتخيل أن الصمت والصبر طريقة مثالية لتفادي الطرف المسيء، لكن الحقيقة أن المسيئين يزدادون إساءة إذا صمتت الضحية.

لا تتقبلي الوضع
shutterstock

عادة ما تكون حوادث العنف الأسري متدرجة، تبدأ بالإهانة وتصل إلى الضرب، لذلك عليك التلويح بأن تصرفات المسيء ستقابل بالعقاب.

  • اطلبي النجدة من أول مرة

يضغط بعض المسيئين على ضحاياهم حتى لا يبلغوا الشرطة، لكن الحقيقة أن الرجال يخشون الحكومة جداً. لهذا من الضروري أن تسجل السيدات المعنفات الحادثة رسميّاً لتحمي نفسها بالقانون. وفقاً لنصيحة د. دينا نبيل حتى لو ستتنازلي عن المحضر بعد ذلك، سجليه لأنه سيكون ورقة ضغط تحميك.

اللجوء إلى الجهات الرسمية المنوط بها حمايتك، والمنظمات التي توفر للنساء المعنفات ملاذاً آمناً، هو تصرف ضروري إذا كنت تخشين على سلامتك الشخصية. ابحثي عن الأرقام المخصصة لهذا في دولتك. في مصر يمكن الاتصال على شكاوى المجلس القومي للمرأة 15115.

 

  • لا تلتمسي العذر

إذا تعذرت مواجهة الطرف المسيء لاعتبارات السلامة والأمان، فلا تقبلي الوضع بينك وبين نفسك، لا تلتمسي له العذر، ولا تتخيلي أنه مجبر على ما يفعله. الإساءة مسؤولية صاحبها، لأن أحداً لم يرغمه على التصرف بشكل مؤذ لمن حوله.

 

  • لا تبقي وحدك

إذا كنت مهددة من الشريك بشكل يقلقك على سلامتك، يستحسن أن تخبري صديقاً أو قريباً لك بوضعك وما يحدث لك، واتفقي معه على رسالة منتظمة أو وسيلة تواصل بريئة تخبره أنك في مأزق، ليطلب النجدة نيابة عنك حال تعرضت لأي خطر أو تهديد، أو انقطع تواصلك معه لفترةٍ معينة.

 

  • شجعي نفسك

العبارات القوية التي تؤكد أنك "تبذلين جهدك - ستكونين بخير - أنت قادرة" لها مفعول السحر في قدرتك على الصمود، والعمل على النجاة من العلاقة المسيئة التي تعانين منها. اهتمي أيضاً بصحتك، ومارسي تمارين التنفس والتأمل لتحصلي على قدر من الهدوء النفسي يساعدك على تحمل هذه الفترة العسيرة.

 

  • احصلي على الدعم النفسي

شبكة الأصدقاء والأهل الداعمين مهمة لك لتتخطي هذه الفترة الحرجة، كما يمكنك طلب المشورة النفسية من طبيب متخصص عبر الإنترنت، وهي خدمة أصبحت مألوفة مؤخراً في فترة الحجر.

في كل الأحوال، أنتِ الأكثر دراية بوضعك، فأطيعي حدسك ولا تتخذي خطوات تعرضك لأي نوع من الأذى. سلامتك الجسدية والنفسية أولولية قصوى، فلا تتردي في الحفاظ عليها بكل الطرق.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments

هذا لا يمنع إن الموضوع مشي مع ناس تانية بالعكس ضغوط العمل والخروج الدائم من الممكن يخلق مسافة كبيرة من الخلافات في الرأي والتنمر بين افراد العائلة الواحدة عالجها العزل في المنزل ومحاولة لمة العيلة حول مشاهدة شئ على الشاشة أو مائدة طعام اعتقد طول الوقت والخوف والقلق خلق ألفة وجو هادئ لمواجهة أي خطر

إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.