أرداف
Pixabay

هو وهي والأرداف

"لكن ما ذنب الأرداف؟ ذلك الجزء محط أنظار الرجال وعامل أساسي من عوامل أنوثة المرأة وجاذبيتها. ما ذنبها فى كونها وقعت أسيرة محتل غاصب تمثله دهون متراكمة...؟"

فى ليلة من ليالي الشتاء الباردة في القاهرة الحزينة، وبينما أنا فى طريقي لعملي ومحاولتى للقفز فى أول ميكروباص، فوجئت بسيارة ميكروباص تظهر من الفراغ وينادي سائقها فى لهفة شديدة على الرزق.

فتحتُ الباب باستسلام لأجلس فى الكنبة الأمامية، ليقاطعني فجأة: "لا يا كابتن لسة في مكان ورا".
 
كنبة صغيرة الحجم يجلس فيها رجل و امرأة أربعينية ظننت أنها رفضت بحجة عدم وجود مكان، ولكن هيهات... تحركت المرأة قليلاً برفع إحدى أردافها قائلة بترحيب شديد: "لأ. تعالَ واسعة أهي وبراح". جلستُ ولا أعلم لما قبلت بذلك وظللت طول الطريق شبه جالس على أحد أردافها.

نزلت وانا شديد الاستياء وأصبّ لعناتي على السيدة والسائق وأردافهم سوياً.

بيضاء
Wikipedia

"يهدّها الأرداف"
لكن ما ذنب الأرداف؟ ذلك الجزء محط أنظار الرجال وعامل أساسي من عوامل أنوثة المرأة وجاذبيتها.

ما ذنبها فى كونها وقعت أسيرة محتل غاصب تمثله دهون متراكمة اختارت هذه الأماكن تحديداً لتتصلب فيها ويصعب تفتيتها بسهولة؟

وصلت مكتبي وفكرت في هدوء: هل طبيعي أن أكون ساخطاً على الأرداف بهذا الشكل الذي يدفعني لكتابة منشور على حسابي بفيس بوك من كلمتين "يهدها الأرداف"؟

هل كان السبب فى استيائي هو الأرداف فعلاً، أم شعوري بأن أرداف السيدة قد اخترقت مساحتي الشخصية؟

الأرداف في الغزل العربي
قررتُ أن أترك العنان لتفكيري واغوص فى رحلة بحث عن نظرة المجتمعات العربية للأرداف فكان أول ما صادفت هو تقرير عن أدب الغزل قديماً.

كان الشعراء يتبارون فى التقرب لحبيباتهم بالتغزل فى أجسادهنّ. من ذلك أن الشاعر الجاهلي المراد بن المنقذ العدوى قال في حبيبته: «قطف المشى قريبات الخطى.. بدنا مثل الغمام المزمخر».  

كان يقصد بكلمة «قطف» المرأة البطيئة فى السير البدينة، فيما امتدح «الأعشى» حبيبته فى معلقته «ودّع هريرة إن الركب مرتحل» جسدها الممتلئ، وقال في إحدى أبيات المعلّقة: «غراء فرعاء مصقول عوارضها  تَمشِى الهوينا كما يمشِى الوجى الوحِل».

هنا يصف امتلاء جسد حبيبته ومشيتها بأنها تسير على استحياء وكأنها تسير على الطين.

هذا يدل على ان الرجال قديماً كانوا يرون في المرأة البدينة وثقل خطوتها لكبر حجم اردافها باعتبارها امرأة شديدة الجاذبية.

أما عن قصور العباسيين والعثمانيين، فكان لا هم للجواري غير تجرّع كميات كبيرة من الطعام لنيل رضا الحاكم والبقاء ضمن حريم القصر.
بنطلون جينس
Wikimedia Commons

الفرق بين المؤخرة والأرداف
قمت باجراء استطلاع رأي بسيط على أحد مجموعات الفيس بوك الشهيرة المعروفة بتوجهها التوعوي تجاه العلاقات والحياة الجنسية، سألت فيها عن مدى تقبلهم للأرداف الكبيرة وهل يواجهون مشكلة في التعامل مع صاحباتها أو هل يجدونها جذابة ويميلون لأصحابها؟

واجهت صدمة كبيرة حينما اكتشفت أنّ أغلب المعلقين لا يعرفون الفارق بين المؤخرة والأرداف وعلى سبيل الاحتياط دعوني اعرفكم على الفارق بينهم.
 
الأرداف هي امتداد العضلة السفلية من المؤخرة بالجوانب الخارجية للفخذ وهذه المنطقة معروفة جداً بأنها من أواخر المناطق التي تتخلص فيها من الدهون بجانب البطن كما سبق وذكرت فى بداية التدوينة.

شهدت التعليقات صراعاً كبيراً بين بعض ممن قالوا أن المجتمعات الأفريقية والشرقية على سبيل المثال كان تكره المرأة البدينة ذات الأرداف الكبيرة بحجة انها تفوقهم  قوة.

هذه النظرية هوجمت من البعض. في حقيقة الأمر، وعلى سبيل المثال، نجد ان دولة موريتانيا من أكثر الدول التي ترتكب جريمة تسمى بـ "تزغيط البنات"، وباللغة المحلية تسمى "لَبْلُوح"وفيها تلجأ الأسرة الى اطعام الفتيات وتسمينهنّ بالإجبار ليصبحوا أكثر إثارة وجاذبية لرجال القبيلة.

الأرداف كمظهر للنعمة
الأغرب في موريتانيا هو أنه عندما تصاب إحدى الفتيات بالنحافة، لأن ذلك يعني في العُرف المحلي أنها "فضحت الرجال أمام الأغراب". عليه سيكون رجال القبيلة التي تنتمي إليها عرضـة للشعور بالاحتقار والندم، أينما وطأت أقدامهم.

هذا الأمر لا علاقة له بمقاييس الجمال فقط، ولكن الأمر متعلق أكثر بالحكم من اتهام الأسرة بالفقر وتواضع الحال نتيجة اصابة ابنائها بالنحافة. يعتبر الأمر أيضاً بمثابة قضية حقوقية، حيث أعرب الحقوقي الموريتاني محمدو السليمان أنّ سيطرة التقاليد والقيم القبلية أدت إلى تكبيل الفتاة من خلال استخدام الرجال جسـدها للتعبير عن مظاهـر النعمة والكبرياء والتباهي أمام رجال القبائل.

التزغيط بشكل عام لا يعد مشكلة اجتماعية متعلقة بالجمال أو عدمه بقدر كونه مشكلة صحية، حيث أن الأشخاص الذين يزيدون بنحو 40% على الوزن الطبيعي يكونون أكثر عرضة للمشكلات الصحية، ومنها أمراض القلب والأوعية الدموية مما يؤدي إلى حالات وفاة مبكر.
توم وجيري
Youtube

الأرداف في الرسوم والكاريكاتير
الأمر لا يقتصر على واقع الأمر فقط، فحتى عالم الرسوم والكاريكاتير شهد حملة كبيرة على مدار سنوات طويلة تم فيها تشبيه النساء دوماً في رسوماتهم بكونها امرأة بدينة ذات أرداف كبيرة، ليس فقط فى مصر والعالم العربي، ولكن حتى فى هوليوود.

على سبيل المثال، نرى الخادمة فى توم وجيرى لا يظهر منها سوى مؤخرتها وأردافها، واخوات سندريلا كانوا ببنية بدينة وأرداف كبيرة للتعبير عن مدى قبحهنّ.

دفعني ذلك لسؤال رسام الكاريكاتير المصري مخلوف عن حقيقة الأمر وراء تصوير المرأة في رسومات الكاريكاتير بالمرأة البدينة، خاصةً حين يأتي الرسم للتعبير عن الزوجة أو الحماة.

أعرب عن رفضه لهذا الاتهام وأجابني أن قلة فقط من الرسامين هم الذين ابرزوا المرأة بهذا الشكل كعمرو فهمي ومصطفى حسين، ولكن صلاح جاهين وحجازي على سبيل المثال كانوا مثالاً جيداً لتجسيد المرأة فى صورة حسنة، ونصحني بمشاهدة حلقة لرسامة الكاريكاتير دعاء العدل تناولت فيها صورة المرأة السيئة في رسوم الكاريكاتير انصحكم بمشاهدتها من هنا.

الجمال نسبي
ما استنتجته مما سبق كله هو أن الجمال نسبي جداً والجاذبية الجنسية كذلك هي أمر نسبي. ما قد يثيرني ويحرّك غرائزي قد يثير اشمئزاز غيري.

نسبية الجمال تختلف من إنسان لإنسان ومن مرحلة عمرية إلى أخرى.

أنتِ لستِ في حاجة للإيمان في نسبية الجمال بقدر حاجتك للإيمان بالجمال الكامن داخلك والذي سينعكس بشكل أو بآخر على جمالك الخارجي.

صدقي فى قوتك الكامنة بداخلك وأن لا شيء مهما كات صعوبته لن يصل أبداً الى نقطة الاستحالة، انتِ وحدك التي تملكين القدرة على إعادة نحت جسمك ليلائم الشكل الذي ترتضيه.

ملاحظة: مختلف الآراء الواردة في المدونات عن رأي كتابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع.

ما رأيك الشخصي؟ هل تشعر أو تشعرين أن الأرداف الكبيرة مؤشر على الجمال والجاذبية؟

Comments
Add new comment

Comment

  • Allowed HTML tags: <a href hreflang>