الختان
Pixabay

هل هي مجرد قطعة لحم؟

"جرت العادة فيما مضى أن يقوم بطهور العيال من يسمى "حلّاق الصحة". تصطف الرؤوس أمامه في ليلة المولد الكبير للحلاقة، ويصطف الأهالي بأطفالهم لجزّ رؤوس أعضاء أبنائهنّ"

سيظل مشهداً محفوراً في ذاكرتي ما حييت. رأس جدي لأمي بين فخذيّ شاب موفور الصحة.

الشاب يضع في فمه شيئاً يجزّ أسنانه عليه، وعلى وجهه أعتى علامات الألم، بينما جدي بيدين ملطّختين بالدم يعنّفه بهدوء، ويقول له "اثبت ياولدي، هذه مجرد قطعة لحم!".

المشهد أرعبني في طفولتي، ولم يُمحَ من ذاكرتي أبداً، وخوفني من جدي الوديع، الذي انتبه فجأةً إلى وجودي في الغرفة معه، لينادي على أمي ويصيح فيها بعصبية، وكيف تركتني أتسلّل إلى الغرفة وهو في مهمة خاصة.

عرفت لاحقاً أن الشاب كان "يتطاهر"، التعبير المصري الدارج الذي يعني أنه خُتن، أي أزيلت قطعة اللحم الصغيرة قبل زفافه بأيامٍ قليلة. الشاب اليتيم لم يتولّ أحد في عائلته "تعميده" الإسلامي، أي إبراز الحشفة، رغم أن عروسه المستقبلية ربما لا تعرف شيئاً عن الجنس أو شكل القضيب، لكنها إحدى تفاصيل "رجولته" التي لا يمكن أن تكتمل دونها.

***

"يا أم المتطاهر رشّي الملح سبع مرات** في مقامه الطاهر رشّي وقيدي سبع شمعات"
من أوبريت الليلة الكبيرة التي كتبها الشاعر صلاح جاهين ولحنها سيد مكاوي. الأوبريت حاول محاكاة ليلة المولد الكبيرة، أي الليلة الكرنفالية التي يلتحم فيها الإلهي بالدنيوي. المزيج الاحتفالي الذي يصاحب واحدة من طقوسه "مطاهرة" الأطفال، أي ختانهم، وما يحمله من دلالات..


القرب من الله نوع من "الطَهور" بفتح الطاء، والذي يعني في اللغة الطاهر في نفسه المطهر لغيره، تحوّل في الدارجة إلى الطُهور بضم الطاء، أي إزالة الزائد من لحم القضيب، ليكون طاهراً في نفسه مطهرا "بمائه" لغيره.

المني نفسه في الفقه الإسلامي طاهر غير نجس، يجب إذن ألا يمسه شيء من وقت خروجه من قناته حتى وصوله إلى المهبل، حتى لو كان زائدا لحمياً.

جرت العادة فيما مضى أن يقوم بطهور العيال من يسمى "حلّاق الصحة". تصطف الرؤوس أمامه في ليلة المولد الكبير للحلاقة، ويصطف الأهالي بأطفالهم لجزّ رؤوس أعضاء أبنائهنّ، لتختلط أصوات بكاء الأطفال مع صيحات الذكر وأصوات بائعي الحلوى والطعام.

***

لم أكن طبيباً بشرياً، بل طبيب أسنان، لكن مآسي المرضى ومساخرهم لم تكن بعيدة عني. زملائي في قسم الطوارئ لا يعرفون الراحة، العدو بين الحالات الحرجة والحكايات الغريبة، خاصة في الفترات الليلة..

في إحدى الأيام، وصلت إلى مستشفى المنصورة الجامعي أسرة مكونة من: أب وأم وطفل في الخامسة بين يديهما لا يتوقف عن البكاء. الفزع على وجهيهما يقول الكثير.

بنطلون الطفل غارق في الدم "الحقوني يادكاترة!". يخلع زميلي ملابس الولد، ليرى الفاجعة، قضيبه وقد انفصل رأسه مغطى ببعض الشاش والمناديل، الأم تبكي وتقول "حسبي الله ونعم الوكيل"، الأب في حالة عصبية هستيرية. زميلي نائب الطوارئ يسأل من ارتكب هذه الجناية.

يقول الأب إنه ممرّض في منطقتهم، وهو يختن الأطفال من عشرات السنين.

أدرك زميلي بعد نظرة فاحصة أنه لا أمل من عودة الرأس إلى مكانه مرة أخرى، فبدأ في تعنيف الأبوين. الأب المستسلم للصراخ تماماً يردّ بقلة حيلة "ماهو كلنا اتطاهرنا يادكتور، والراجل ده هو اللي طاهرني أنا واخواتي". ينظر زميلي إلي ويقول لي "الدين بقى حتة لحمة، شوف التخلف!".

***

فوائد أم أضرار؟
الحديث عن فوائد ختان الذكور الصحية يصحّ في بعض جوانبه، إذ أنه يقلّل من الإصابة بأمراض تناسلية، وتقلّ نسبة الإصابة بسرطان القضيب – وهو مرض نادر عموماً- كما تقل نسبة الإصابة بالتهاب المثانة، لكن هذا الفعل الوقائي يمكن الاستغناء عنه بالمحافظة على النظافة الشخصية.

بعبارة أخرى: هل الأسباب الوقائية كافية لنزع قطعة من لحم طفل؟

طبياً أضرار ختان الذكور كثيرة للغاية، منها على سبيل المثال لا الحصر: تعفّن الجرح، وانكماش القضيب، واحتباس البول، وموت الحشفة أو تشويهها وفقدان حمايتها.. بعض الحالات تصل إلى فقدان القضيب تماماً.

وعلى خلاف الأضرار الطبية، فإن إجراء هذه العملية للطفل في سنينه الأولى تعرّضه لصدمة وانتهاك بدني ونفسي قد لا تزول آثارها بسهولة. معظم الأبحاث الطبية المعتمدة الموثوقة تتحدث عن هذا الجانب النفسي، فلا توجد ضرورة طبية ملحة في إزالة جزء من جسم إنسان.

الكلام هنا عن العضو الأكثر حساسية في التعامل النفسي، مركز الذكورة ومصدر سلطتها، مايتربى الطفل على الاعتناء به وصونه حتى يدخل في سياق العرف الاجتماعي.

إضافة إلى ذلك، فالطقس الاجتماعي يقتضي أن يكون الختان في السنين السبعة الأولى يصاحبه "احتفالية" بعد "الطهور". ما يمنع صاحبه من قدرته على اتخاذ قرار يخص عضوا من أعضاء جسمه، خاصة وأن لا ضرورة إلا الدينية الاجتماعية في توقيت إزالته.

النظرة العامة على هذه العملية تقول أنه انتهاك جسدي ونفسي واجتماعي، وانتزاع لحق اتخاذ الإنسان قراراً يخص جسده تحت مسمى "الواجب" وتأكيداً لملامح الهوية.

ملاحظة: المدونات تعبّر عن رأي كتابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع. 

Comments
Add new comment

Comment

  • Allowed HTML tags: <a href hreflang>