الختان
Shutterstock

ختان الذكور في الثقافات القديمة.. رحلة الاحتفاء والتقديس

بعيداً عن الرأي الطبي، تعتبر ممارسة ختان الذكور ضاربة في القدم في التاريخ الإنساني، لأسباب دينية وثقافية متعددة.

طالما كان الجسد أحد مكونات الثقافة في المجتمعات الإنسانية، شكَّلت العلاقة به صورة الشعوب عن نفسها والآخر، وكان الاحتفاء به، أو احتقاره، مؤشراً على موقعها من التطور والتحضر.

يعتبر ختان الذكور أحد الممارسات التي تشكل موروثاً مهماً عند كثير من شعوب العالم، وجزءاً من ثقافتها. فمنذ آلاف السنين دأبت مجتمعات عدة على استئصال قلفة العضو الذكري، أحياناً كطقس ديني بعد ميلاد الطفل بأيام، وفضّلت مجتمعات أخرى ختانه قبيل البلوغ أو بعده، لتجهزه لحياة الرجولة، بينما رفضته ثقافات غيرها رفضاً تاماً.

تختلف الأسباب وطرق الختان، وسواء كانت ممارسته لأسباب دينية أو مجتمعية، فهو يكشف الكثير عن أصحابه، منذ فجر التاريخ وإلى اليوم.

 

"لم يُصب أحد ولم يُخدش" في مصر القديمة

 

ليس من المعروف على وجه الدقة متى بدأت ممارسة ختان الذكور في تاريخنا الإنساني، غير أن أقدم توثيق له كان في مصر القديمة، حيث ذكر كتاب الموتى أن رع، إله الشمس، قطع نفسه، ومن دمائه جاء إلهان آخران.

وتفسر عالمة المصريات إيمانويلا فيكومتي دي روج إن القطع المذكور قد يكون نوعاً من الختان، أو إشارةً له. بعيداً عن الأسطورة، تركت لنا الحضارة المصرية القديمة مشاهد تمثيلية لعملية الختان الحقيقية على جدران المقابر، والمومياوات المصرية من حقب مختلفة، والتماثيل والقطع الفنية.

تعتبر مقبرة عنخ ماحور، بمنطقة سقارة في الجيزة، أبرز الآثار التي توثق لختان الذكور في مصر القديمة، إذ يحمل أحد جدرانها رسماً واضحاً لعملية ختان شابين، أحدهما يحتمل الألم بينما الآخر يقيده مساعد الطبيب ليصمد، وقد نقشت عبارات "المرهم سيجعله محتملاً"، و"أمسكوه حتى لا يسقط" جوار الرسم، ويرجع تاريخ المقبرة إلى القرن السادس قبل الميلاد.

أما تمثال الشاب Meryrahashtef فمن أبرز التماثيل المصرية القديمة التي تظهر صاحبها مختوناً بوضوح.

استمر ختان الذكور في مصر القديمة لقرون طويلة، وفي القرن 23 قبل الميلاد، وثّق رجل يدعى "أوها" تجربة ختانه مع نحو 120 رجلاً آخر فيما يشبه الاحتفال الكبير، قائلاً: "عندما خُتنا لم يُضرب أحد أو يُصب أو يخدش"، ما يشير إلى أن الختان أصبح يمارس باحترافية من قبل الأطباء المصريين، حتى صار جراحة محتملة على الشباب في عصر يسبق التخدير والمسكنات بآلاف السنين.

الختان في مصر القديمة
wikimedia

تباينت أسباب التزام المصريين القدماء بممارسة ختان الذكور، فذكر المؤرخ الإغريقي هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد، أن المصريين أحبوا الختان كممارسة تضمن مستوى أعلي من النظافة الشخصية، وأنهم فضلوا النظافة على جمال العضو الذكري المكتمل.

بينما يرى ديفيد جولاهر، الرئيس المؤسس لمعهد كاليفورنيا للرعاية الصحية، إن المصريين القدماء اعتبروا الختان بوابة الانتقال من طور الطفولة إلى عالم الرجال، ما يفتح الطريق أمام الشباب إلى الكهنوت، وتلقي العلوم العليا من رجال الدين. كان الكهنة أنفسهم يختنون باستخدام شفرة حجرية في مراسم احتفالية عامة.

انتقل الختان من مصر إلى بعض القبائل السامية التي تعيش فيها وحولها، وذكر هيرودوت أن الفينيقيين والإثيوبيين والكولخيين فقط يتبنون الختان كالمصريين، لكن الفينيقيين تركوا أبنائهم غير مختونين عندما توطدت علاقاتهم التجارية مع الإغريق، والذين كانوا يرفضون الختان تماماً.

 

جماليات الجسد المكتمل عند الإغريق والرومان

 

لعل الحضارة الإغريقية والرومانية من أشد الحضارات تقديساً وتوقيراً لجماليات الجسد الإنساني، فقد احتفت بالحب والجنس والخصوبة، وهو ما ينعكس في أساطيرها وأعمالها الفنية كافة، ونرى الفن الإغريقي والروماني يتبنى الجسد البشري في كل حالاته، من طول أو قصر، أو امتلاء أو نحافة.

هذا التوقير الواضح للجسد بكل مكوناته، خلق تقديساً لجماله الذي خلق عليه، فلم يُمارس الختان في الحضارة الإغريقية، ولم يكن مرحباً به، وحملت التماثيل الإغريقية والرومانية تفاصيل الجسد الرجولي في تمام خلقه دون بتر قلفة العضو الذكري.

استمر توقير الفن الروماني لجماليات الجسد العاري المكتمل حتى العصور الحديثة، ومن أجمل الأمثلة تمثال ديفيد (النبي داوود) لمايكل آنجلو، الذي يرجع إلى عصر النهضة، وفيه صوَّر جَسَد ديفيد كاملاً دون ختان، رغم أنه يعتبر من نسل النبي إبراهيم، الذي بدأت به ممارسة الختان كطقس ديني، كما تحكي الديانة اليهودية.

 

الختان ودائرة العهد الإلهي في الأديان الإبراهيمية

 

مع ظهور الديانات الإبراهيمية، انتقل الختان من كونه ممارسة صحية أو تجميلية إلى مرحلة أخرى، ليصبح أمراً إلهياً وجهه الرب إلى النبي إبراهيم، ليختن نفسه وأهل بيته وعبيده، وتصبح تلك علامة على العهد الرباني في أجسادهم، يعاقب من يمتنع عن حملها بالنبذ من شعبه، كما جاء في سفر التكوين بالكتاب المقدس.

داود لميكيل انجلو
shutterstock

رسَّخت اليهودية لختان الذكور كطقس ديني شديد الأهمية، يفوق أي طقس آخر، يجب تطبيقه في اليوم الثامن لميلاد الطفل حتى ولو كان في يوم السبت المقدس، أو في الأعياد التي يمتنع فيها اليهود عن أي أنشطة.

إذا مات الرضيع قبل موعد ختانه فإنه يختن ثم يدفن ليكون يهودياً على العهد أمام الرب، وهي مسؤولية على الأب الوفاء بها كما فعل إبراهيم مع صبيانه وآل بيته.

تسبب تمسك اليهود بطقس الختان في العديد من المصاعب التي مروا بها في المجتمعات التي رفضت تلك الممارسة، ففي اليونان القديمة كان اليهود الراغبون في المشاركة في الأنشطة الرياضية يحاولون إخفاء تعرضهم للختان، ليجري قبولهم بين الرياضيين المعتمدين، وفي عهد السلوقيين مُنع الختان اليهودي بشكل كامل، وعوقب من يجريه بالموت، وكذلك الأطفال الذين تعرضوا له!

في المسيحية تراجعت أهمية الختان كثيراً، فرغم أن يسوع المسيح قد خُتن على الشريعة اليهودية، كما ذكر إنجيل لوقا، وكذلك حدث لليهود المسيحيين (الذين ولدوا على اليهودية قبل ظهور المسيحية)، فقد حدث انقسام في الرأي بخصوص موقف المسيحيين الذين لم يولدوا يهوداً، عندما انتشرت المسيحية بين شعوب جديدة، فرأى البعض أن على جميع المسيحيين الختان، ورأى آخرون إنه ليس واجباً على الشعوب التي لم تولد على اليهودية.

لكن مجمع أورشليم (51 م) أعفى المتحولين إلى المسيحية من غير اليهود من ذلك الطقس، ومع هذا لم يتوقف ختان الذكور تماماً، وأبقت عليه بعض الكنائس البروتستانتية، خصوصاً في أفريقيا، والكنائس الأرثوذكسية المشرقية، الإثيوبية والإرترية والقبطية المصرية، ونظرت له أغلب الطوائف المسيحية كممارسة طبية صحية، أو طقس اجتماعي، وليس طقساً دينياً، ليمارس في العديد من أنحاء العالم حتى يومنا هذا.

بدوره، تخلى الإسلام عن النظر إلى الختان كرمز للعهد الإلهي بين الرب وإبراهيم، كما فعلت المسيحية، غير أن الإسلام منحه أهمية كبيرة باعتباره من "سنن الفطرة" التي ذكرها محمد النبي، والتي تحقق النظافة والطهارة للمسلم، وهي شرط أساسي لممارسة العبادات الأساسية مثل الصلاة.

تمثل فكرة "الفطرة" دافعاً محفزاً عند المسلمين لاتباع سلوكيات معينة تجعلهم أكثر تطهراً وبالتالي أكثر قرباً من الله، ومن هنا تأتي أهمية الختان.

الختان
shutterstock

كان من الشائع أن يتم ختان الطفل المسلم في اليوم السابع لولادته، لكن بمرور الوقت لم يعد هذا التقليد متبعاً بحذافيره، ومن الممكن ختان الطفل في أي وقت، وإن كانت العائلات تفضل ختانه في الطفولة المبكرة، وقبل البلوغ على أقصى تقدير.

ورغم رسوخ ممارسة ختان الذكور في المجتمعات الإسلامية، فإن البعض يرفضها باعتبارها تشويهاً لأعضاء الجسد الذي خلقه الله "في أحسن تقويم"، خصوصاً أن الختان لم يذكر في القرآن إطلاقاً.

غياب النص القرآني القاطع على وجوب الختان جعل بعض الأئمة، كأبي حنيفة والإمام مالك، يعتبرونه سنة وليس فرضاً، بينما ذهب فقهاء آخرون مثل الشافعي وابن حنبل إلى القطع بوجوبه التام.

وذكر الموصلي في شرح المختار أنه لو أجمعت بلدة على رفض الختان لوجبت محاربتها كما لو أنها تركت الأذان، مستدلين بهذا على أن القرآن أمر باتباع سنة إبراهيم، ما يأخذنا إلى العهد الإلهي من جديد.

كما نظر أئمة كثيرون إلى الختان كعلامة جسدية مهمة تميز المسلم عن غيره، ويفرقون بها بين قتلى المسلمين وغيرهم في المعارك، وهنا تتشابه الشريعة الإسلامية مع نظيرتها اليهودية، وتدور الديانات الإبراهيمية الثلاث في فلك العهد الإلهي بأشكالٍ مختلفة.

 

الختان في العالم القديم.. انتقال إلى الرجولة واكتساب للشجاعة

 

عُرفت ممارسة ختان الذكور على نطاق واسع في أفريقيا السوداء، كطقس أساسي للاحتفاء ببلوغ الشباب وانتقالهم إلى مرحلة الرجولة، أو دخولهم زمرة المحاربين الشجعان. أما في العصور الحديثة فيمارس الختان غالباً بدافع النظافة الشخصية وعدم التعرض للعدوى والأمراض، خصوصاً في المناطق التي يتراجع فيها مستوى الوعي الصحي والخدمات.

المجتمعات الأصلية الأخرى عرفت الختان بدورها، مثل السكان الأصليين في أستراليا، وجزر المحيط الهادئ، وتنوعت أسباب تلك المجتمعات في ممارسته، لكنها لم تخرج عن كونه طقساً لاختبار قوة التحمل، والشجاعة، والامتثال لتقاليد القبيلة، والانتقال من مرحلة الطفولة للرجولة، كما كان الأمر منذ فجر التاريخ.

لقد عرفت الإنسانية الكثير من الممارسات المتصلة بالصحة الجنسية، شكّلت نظرة ثقافية لعلاقتنا بأجسادنا ونظرتنا لأنفسنا والآخرين، ويعد الختان أحد تلك الممارسات ذات الطبيعة الاستثنائية. بدأ كجراحة تجميلية، ثم اكتسب بعداً دينياً وروحانياً، ثم تجرد من تلك الروحانية وارتد تقليداً مجتمعياً عادياً عند كثيرين.

لا نعلم إلى أي شكل قد يتطور في المستقبل، وما إذا كان سيستمر وجوده أم يتوقف أمام دعوات احترام حق الطفل في الاحتفاظ بجسده سليماً حتى يكبر ويقرر بنفسه ما يريد، لكنه بالتأكيد سيظل مرآة ندرس عبرها الكثير عنا كبشر، وتطورنا المستمر.

المراجع:

http://www.cirp.org/library/history/dunsmuir1/

https://www.researchgate.net/figure/Circumcision-scene-from-the-tomb-of-Ankh-ma-Hor-Saqqara-Sakkara-Egypt-2-500-3-000-BC_fig2_278660669

https://www.researchgate.net/figure/Traditional-circumcision-implements-a-Slit-wooden-shield-Turkey-b-Split-reed_fig4_278660669

https://www.researchgate.net/figure/Grave-statuette-of-Merire-hashetef-or-Meryrahashtef-from-the-necropolis-at-Sedment_fig6_278660669

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-002-Holy-Arabic-Bible-Dictionary/07_KH/kh_08.html

ttps://ar.m.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%AA%D8%A7%D9%86_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%8A%D8%AD%D9%8A%D8%A9#:~:text=%D8%B1%D8%BA%D9%85%20%D8%A3%D9%86%20%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%AA%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A,%D8%B9%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D9%88%D8%B1%20%D9%88%D8%AA%D8%B9%D8%B7%D9%8A%D9%87%20%D8%A8%D9%8F%D8%B9%D8%AF%20%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A.

https://www.bbc.co.uk/religion/religions/christianity/christianethics/circumcision.shtml#:~:text=Print%20this%20page-,Christianity%20and%20circumcision,his%20sacrifice%20on%20the%20cross.

https://en.m.wikipedia.org/wiki/Circumcision_controversy_in_early_Christianity

https://st-takla.org/Coptic-History/CopticHistory_01-Historical-Notes-on-the-Mother-Church/Christian-Church-History__012-Orchaleem-Council.html

https://www.alukah.net/sharia/0/39329/

http://www.cirp.org/library/history/dunsmuir1/

https://en.m.wikipedia.org/wiki/History_of_circumcision

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.