الكفيف ليس كائناً فضائياً
Shutterstock

في العلاقة الجنسية.. الكفيف ليس كائناً فضائياً

الأفكار المغلوطة عن المكفوفين كثيرة وشائعة، وتزيد عند الحديث عن العلاقات الجنسية. ويتناسى الكثير من الناس أن الكفيف إنسان طبيعي، لديه نفس مشاعر أي شخص آخر.

أن أكون شخصاً كفيفاً فهذا أمر عادي تماماً، لأن فقدان البصر لم يكن أبداً اختياري أو برغبة مني على الإطلاق.

لكن الأمر يختلف كثيراً حينما أكون كفيفاً ومستخدماً لمواقع التواصل الاجتماعي، والسبب بسيط جداً، لأن الكثيرين يطرحون عليَّ الأسئلة، إما بدافع الفضول، أو لأنهم لا يعلمون عن عالمي إلا أقل القليل، وما يعلمونه فقط مصدره الأفلام والمسلسلات.

يوماً ماً، وبدون سابق إنذار، حدث شيء غريب.

بدأت القصة حينما كنت أتصفح موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ووجدت إشعاراً بأن إحدى صديقاتي أشارت إليَّ في منشور، وكانت الصدمة.

كان المنشور ببساطة لفتاة تسأل عن قدرة الشخص الكفيف الجنسية، لأن شخصاً كفيفاً تقدم لها للزواج، وتريد أن تعرف مدى استجابته للعلاقة، وإن كان قادراً على ممارستها من الأساس.

للحظة أصبت بصدمة واستغراب شديد مما سمعته، وفي حقيقة الأمر لم أستطع الإجابة والتعليق لأنني لم أفهم سر هذا النوع من الأسئلة، لأن السؤال أصابني بحالة من الاندهاش، وكأن فقدان البصر يمثل فقداناً للقدرة على ممارسة الجنس.

في الحقيقة أدركت مغزى السؤال بعدها بوقت قليل، فالبعض يرى أن الكفيف لا يستجيب للعلاقة الجنسية لأنه لا يبصر، على الرغم من أن هنالك ألف طريقة غير الاستجابة البصرية للتفاعل مع الشريكة.

العلاقة الجنسية غير مرتبطة بفقدان البصر وهذه حقيقة، فليس هنالك ما يمنع الشخص الكفيف من ممارسة علاقة جنسية ناجحة مع شريكته طالما وُجد تفاهم بين الطرفين.

قد يعتبر البعض الأمر مربكاً في البداية، لكن فقدان البصر ليس عائقاً أمام العلاقة الجنسية في حد ذاتها. فالتواصل بين الكفيف وشريكته في العلاقة ليس منصباً على البصر. فهناك تواصل بالسمع واللمس.

على هذا الأساس يمكن للكفيف ممارسة علاقة جنسية ناجحة ومُرضية له ولشريكته.

التفاهم والتواصل أساسيان لنجاح العلاقة الجنسية مع الشخص الكفيف، التفاهم من الشريكة أمر ضروري بمعنى أن تكون متفهمة مسألة فقدان البصر، وبالتالي أن تتعامل بشكل طبيعي، بدون أي حساسيات أو ارتباك أو توتر، لأن الشخص الكفيف سيكون حساساً أكثر من الآخرين.

ولعل هذه هي أكبر مشكلة قد تواجه الكفيف وشريكته أثناء العلاقة ويمكن التغلب عليها بشكل سهل للغاية، وهو التعامل بشكل طبيعي جداً وعدم وضع أي تصور مسبق أثناء العلاقة.

أحكام مسبقة عن الكفيف
shutterstock

من الضروري ألا تحمل الشريكة أحكاماً مسبقة نابعة من النظرة السلبية الموجودة في المجتمع والتي طالما قللت من الشخص الكفيف.

التواصل ضرورة

للتواصل أثر كبير لإنجاح العلاقة مع الشخص الكفيف، لأن التواصل بطبيعة الحال يعتبر شيئاً مهماً لتفهم احتياجات ورغبات الطرفين على حد سواء.

والتواصل هام مع الشخص الكفيف حتى يتفهم ما تحتاجه شريكته أو ما هو شعورها ورغبتها.

كلما كان التواصل صريحاً وواضحاً كانت العلاقة أنجح وأمتع للطرفين.

وبما أن الشخص الكفيف لا يبصر فالتواصل يخفف عنه التوتر والقلق وعدم الراحة أثناء ممارسة العلاقة، ويرفع عنه الحرج من عدم فهمه لشريكته بسبب عدم توفر التواصل البصري أو بالنظرات.

التلامس والسماع هما الوسيلتان الأفضل للشخص الكفيف أثناء ممارسة العلاقة الجنسية.

للتلامس والسماع أثر كبير في أن يتعرف الكفيف على جسد شريكته وكيفية التواصل معها بشكل جيد. لأن أهم وسيلة لإدراك الشخص الكفيف هي باللمس أو كما يقولون "التحسيس"، بحيث يستطيع تكوين تَخَيُّل ينمي مقدرته ومعرفته ويوصل إليه الصورة كما هي.

فمهما كان الوصف دقيقاً، لن يدرك الشخص الكفيف جسد شريكته إلا من خلال اللمس بأصابعه ومعرفة التفاصيل التي يريد معرفتها.

وبالطبع هذا الأمر لن يحدث إذا كانت الشريكة غير متفهمة لهذا الأمر بشكل واضح، ومدى ضرورته للكفيف وأهميته له.

السماع مرتبط أيضا بمدى إدراك الشخص الكفيف لما يحدث، فالاستماع لشريكته يعتبر أمراً هاماً أثناء ممارسة العلاقة، وليس المقصود بالطبع هنا التصنع بل العكس تماماً، فكلما كان الأمر طبيعياً أحس الشخص الكفيف بصدق مشاعر الشريكة له أثناء ممارسة العلاقة.

 

ماذا عن الكفيفة؟

 

تعتبر الفتاة الكفيفة أتعس حظاً بكثير من الشاب الكفيف لأنها توصَم بأنها لا تعلم شيء عن الجنس وأنها فاقدة للرغبة الجنسية بشكل كامل. وهذا طبعاً منظور قاصر للغاية.

تفترض مجتمعاتنا أن الفتاة فاقدة البصر ليست قادرة على ممارسة الجنس وإشباع رغبات شريكها، أو رغباتها هي شخصياً، وأنها غير قادرة حتى على الحمل والإنجاب لأنها فاقدة لحاسة البصر.

ولعل من أقسى الأمور هي نظرة الغالبية بأن الفتاة الكفيفة ليست أهلاً للحب، أو ليس من حقها الزواج كالأخريات، مما يجعل زواجهن أكثر تعقيداً.

معاناة المرأة الكفيفة
shutterstock

ولكن ما لا يعلمه الآخرون أن الفتاة الكفيفة مرهفة الحس والمشاعر، وأن لديها بالتأكيد الرغبة مثلها مثل الأخريات.

ولكن هنا لا بد من الإشارة إلى أن للفتاة الكفيفة بعض المتطلبات، فمثلاً لا بد من أن تكن واثقة تمام الثقة في الشريك، وأن تشعر ناحيته بالأمان على أقل تقدير.

وفي حقيقة الأمر الثقة والشعور بالأمان مطلوب للجنسين من المكفوفين لاعتبارات عديدة، أهمها أن الكفيف سواء كان ذكراً أو أنثى تهتز ثقته في الآخرين بشكل عام، وهذا أمر طبيعي وبديهي للغاية، لأنه لا يرى الآخرين.

 

أساطير حول الكفيف في العلاقة الجنسية

في موروثنا الشعبي أساطير كثيرة تحكى عن الشخص الكفيف، وكلها مليئة بالتناقضات، إما أنه يمارس العلاقة بشكل ممتاز أو أنه لا يستطيع ممارستها من الأساس.

 ولعل هذا الأمر هو السبب الرئيسي في تشوه الصورة عن الشخص الكفيف ومقدرته وعدمها في العلاقة الجنسية، أو اعتباره شخصاً خارقاً للعادة وهذا بالطبع أمر غير صحيح بالمرة.

الشخص الكفيف إنسان عادي طبيعي له ما له وعليه ما عليه.

 مشاعره ورغباته واحتياجاته تشبه أي شخص آخر. ومن حقه الطبيعي أن يحب ويجد من تحبه.

وبالطبع من حقه الطبيعي أن يمارس الجنس كما يمارسه الآخرون، لأنه لا ينقصه شيء على الإطلاق.

لا يمكن تجاهل احتياجاته أو اعتبارها منعدمة لأنه فاقد للبصر، ولا يمكن أيضاً اعتباره إنساناً خارقاً للعادة لنفس السبب، فالكفيف إنسان أولاً وأخيراً.

وفي نفس الوقت للفتاة الكفيفة الحق كل الحق في ممارسة الجنس والشعور بالحب لأنها إنسانة لها رغباتها واحتياجاتها، بل وإنسانة طبيعية للغاية لا ينقصها شيء كي تمارس علاقة جنسية ناجحة ممتعة لها ولشريكها على حد سواء.

الإعاقة في حد ذاتها ليست مانعاً وليست حاجزاً كي تمنع الكفيف والكفيفة من الجنس والتعبير عن الحب، فلسنا كائنات ممنوعة من حقنا الطبيعي في أن نحب ويحبنا الآخرون بسبب نظرة ظالمة ومجحفة تجاهنا لمجرد فقدان البصر الذي لا يمثل عائقاً أمام الممارسة الجنسية.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.