أطفئ الأنوار
Shutterstock

"من فضلك أطفئ الأنوار كى لا تراني".. دروس عن الثقة بالنفس

تتشكل صورتنا عن ذاتنا من فترة مبكرة من حياتنا، وتساهم خبرات النجاح والفشل في التأثير عليها. كيف نحسِّن صورتنا عن ذاتنا ونواجه ناقدنا الداخلي؟ الإجابة نجدها في هذا المقال.

منذ أيام باغتتنى ابنتي التي لم تتعد الخامسة من العمر وهى تحدثني عن ذكرياتها، منذ سنتين، حين أخبرتها عاملة النظافة في الحضانة أنها بدينة "فاكرة يا ماما لما الناني قالت لي انتي تخينة، أنا بقيت بلعب باليه ومش تخينة".

اندهشت أن طفلتي التي تسمع كلاماً إيجابياً عن ذاتها طوال الوقت ما زالت تذكر تلك الحادثة، والتي اتخذنا موقفاً فيها بمساعدة إدارة الحضانة.

لكن هذا جدد إيماني بأهمية ما نسمعه، وتذكرت كل الأشخاص الذين رأيتهم في العيادة لا يثقون بأنفسهم ولديهم صورة متدنية عن ذواتهم نشأت منذ الطفولة.

قابلت إحدى الفتيات وأخبرتنى كم كانت تجبرها أمها على الأكل الصحي وتظل تذكرها ببشاعة منظرها وكلما ارتدت فستاناً تشبهها بالدبة، هذه الفتاة جاءت الى العيادة مرتين؛ مرة في المراهقة بمشكلة تعدد علاقات، ومرة في العشرينيات بمشكلة إدمان جنس.

وكانت أفكارها تدور حول "لا أرى نفسى أستحق"، "كتر خيره إنه بَصِّلي أنا وحشة جداً"، "لا يوجد من يحبنى سواه"، وتتعدد العلاقات ويتعدد استغلال الآخرين لها.

فى الحقيقة هناك علاقة بين تشوه صورة الذات، تحديداً ما يخص علاقتي بجسمي والمشاكل المتعلقة بالجنس، كلما كان في اعتقادي أنني سيئة ولست جميلة كانت مشاكلي فيما يخص العلاقة الجنسية واسعة.

رأيت فى العيادة عشرات الحالات التى تدور فى هذه الدائرة. أتذكر زوجة كانت علاقتها الجنسية بزوجها سيئة مما أثر على حياتهما؛ كانت لا تريد ممارسة الجنس فى النور نهائياً ولا بد من وجود غطاء.

أخبرتني: "لا أود أن يرى جسدي لأنه لو رآه سيتركني".

فى البدء تصورت أن لديها عاهة لكنها استطردت: "أمي دائماً ما أخبرتنى أننى نحيفه وأشبه (عود القصب الممصوص)، وأن الرجال يفضلون السيدة التى يبرز جمالها صدر ممتلىء ووسط ممشوق".

في الواقع لم يكن كلامها حقيقياً، كنت أرى جسدها مثالياً ومطمحاً لفتيات كثيرات، وأخبرني زوجها أنه يراها جميلة، لكن الكلمات التى سمعتها فى طفولتها والخبرات السيئة التي اختبرتها كان لهما أكبر الأثر عليها.

صورتنا عن الذات

السؤال المهم الان كيف تنشأ صورتنا عن ذاتنا؟ يبدو أن مخزون الطفولة فى غاية الأهمية، لكن ذلك يبدو محبطاً للكثيرين، ويجعلهم يعتقدون أن أوان تغيير ذلك قد انتهى وأننا سنقع أسرى لما حدث فى طفولتنا.

صورة الذات
shutterstock

الأمر ليس كذلك، هناك مقولة في عالم التعافي من الإدمان أحب تكرارها وأؤمن بها:

"ربما لست مسؤولاً عن إدماني وعن ما حدث في الماضي، لكني حتما مسؤول عن التعافي وعن المستقبل".

نعود مرة أخرى الى نشأة صورة الذات والتى تتكون من العبارات السلبية والانتقادات التى تشكل معتقداتنا حول ذواتنا، أول ما سيخطر في بالك هو ما تكرر كثيراً في طفولتك، وليس الأمر مرتبطاً فقط بالشكل لكنه أيضاً مرتبط بالقدرات.

هكذا تعتبر خبرات النجاح والفشل مصدراً هاماً من مصادر تشكل صورتنا الذاتية،  فمثلاً ما زلت أذكر سيدة جامعية تشغل منصباً مرموقاً متزوجة من شخص أقل منها تعليماً، ولا يوجد توافق بينهما على المستوى النفسي والاجتماعي والثقافي.

جاءت تشكو من الاكتئاب، وفى أثناء الجلسات تحدثت عن خطبتها لرجلين قبل هذا الزوج تركاها وأخبرها أحدهما أنها ليست فتاة أحلامه، وأشار إلى نحافتها المبالغ فيها، وأنها شعرت بالخزي من جسدها وتزوجت أول شخص قابلها ووافق عليها، ولم تنتبه إلى الفارق وعدم التكافؤ بينهما، واحتملت ما لا يحتمل فى علاقتهما حتى أصيبت بالاكتئاب.

بالنسبة لهذه السيدة شكلت خبرات الفشل التي خاضتها في خطبتيها السابقتين، بالإضافة لكلام المجتمع المحيط بها عن جسدها معتقداً محورياً مفاده "أنا قبيحة ولا أستحق الأفضل"، مما أثر على اختيارها وحياتها فيما بعد .

هذا المعتقد المحورى يؤثر على الجنس وينتج أفكاراً سلبية مثل: "لا أستحق الاستمتاع بالجنس"، "من المهم متعة زوجي فقط حتى لا يتركني"، "لن يحبني أحد إلا بهذه الطريقة المنحرفة"، "لا أستحق أفضل من هذا"، وغيرها من الأفكار الشبيهة.

مواجهة الناقد الداخلي

في كثير من الاحيان أرى مفتاح العديد من المشاكل يتمثل في تعديل صورة الشخص عن ذاته.

في الحقيقة لن أدعى أن الأمر سهل، إذ أن تلك المعتقدات المحورية كونت داخلنا ما يشبه الناقد الداخلي الذى تكمن وظيفته فى إحباطك ولسعك بعبارات سيئة عن ذاتك، وتحتاج مواجهته إلى وقت طويل ومجهود يكمن في العمل على تشجيع ذاتك ومناقشة الأفكار السلبية وتكوين رصيد من الخبرات الايجابية وتعلم استعادتها. ومعرفة الفرق بين ما يمكن قبوله وما نحتاج إلى العمل عليه وتغييره.

واجه الناقد الداخلي
shutterstock

هذا أمر يحتاج إلى سنوات، واذا كنا نتحدث عن مشكلات جنسية نحتاج إلى شريك صبور متفهم لتلك الرحلة وداعم لشريكه/شريكته.

ما أقصده هنا بالفارق بين ما يمكننا قبوله وما يمكننا تغييره هو سؤالي لذاتي: "هل جسدي هذا يحتاج إلى تغيير أم عليَّ تقبله؟"، فمثلاً قصر القامة لا يمكن تغييره لكن البدانة يمكن تغييرها إذا احتاج صاحبها ذلك.

أعرف سيدة ظلت لسنوات طويلة في معركة شرسة مع ذاتها في محاولات تغيير جسدها وبدانتها التي عذبتها سنوات وأثرت في علاقتها بشريكها وبجسدها. وبعد لجوءها لبعض المساعدة توصلت إلى نتيجة "أنني سأقبل جسدي كما هو، هناك حدود للتغيير، لن أصبح أخرى، سأقبل ِجسدى هكذا، صحتي فقط هي المهمة، ولن أصارع لأكون أخرى".

لن ينجح كل الناس فى تعلم مهارات مناقشة الأفكار السلبية وحدهم دون مساعدة متخصصة، لكن عليك أن تحصل على كل الأدلة التي تفند فكرتك السلبية، فالسيدة النحيفة التى ترى نفسها قبيحة ولا تستطيع أن تكشف جسدها لزوجها، عليها أن تُذَكِّر نفسها بأن زوجها رآها واختارها، وأن سيدات كثيرات يتمنين هذا الجسد.

عليها أن تتعلم كيف تحب جسدها وذاتها وتركز مع كل الإيجابيات والكلمات المشجعة التى تسمعها، وتطرح تساؤلاً مختلفاً: "هل جسدي سليم أم مريض ويعاني".

وينبغي على الشريك أن يردد الكلمات الإيجابية، وأن يتفهم فداحة ما حدث فى الطفولة من تعليقات الأهل، وأن الأمر له علاقة بأمية الأهل النفسية وتفهم الإيذاء الذى تعرضت له الشريكة.

نحتاج لقدر من الشك في كل ما يقوله الناقد الداخلي، نحتاج إلى الايقاع به قبل أن يداهمنا.

أكرر أن الامر سيحتاج إلى سنوات وإلى دعم وربما إلى المساعدة المتخصصة. لا مجال هنا للساحرات والعصي السحرية.

 

اقرأ المزيد: سبع نصائح لزيادة الثقة بالنفس

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments

السلام عليكم ،
المرجو منكم تخصيص ملف كامل عن هذا الموضوع الذي يؤرق الكثيرين . ملف شامل ، او حوار طويل مع متخصص، يناقش كل جوانب الموضوع بصدق دون إلتواء ، وبتجرد تام دون الميل الى أراء مزيفة هدفها الحفاظ على الصحة النفيسية للرجال ، لان في لانهاية كل واحد سيتكشف الحقيقة ، و سيعرف من كذب عليه ممن لم يكذب .كما ان المقالات المترجمة الموجودة في موقعكم قديمة و سطحية للغاية . شكرا لكم.

إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.