عن الاستغلال الجنسي أتحدث
Pxhere

عن الاستغلال الجنسي أتحدث

"أين تحديداً في هذه القصة، بغض النظر عن الشخصيات، يوجد تحرش؟ أليس ما حدث يندرج تحت باب العرض والطلب؟ عَرَضَ، فرفضت، فلم يُلح، وانتهى الموقف؟"

أرسل لي صديق عزيز رسالة يسألني فيها عن رأيي بخصوص قصة، على لسان أحد أطرافها، نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، باعتباري صديقة أولاً، ومهتمة بالشأن النسوي ثانياً.

سألني الصديق:

"أين تحديداً في هذه القصة، بغض النظر عن الشخصيات، يوجد تحرش؟ أليس ما حدث يندرج تحت باب العرض والطلب؟ عَرَضَ، فرفضت، فلم يُلح، وانتهى الموقف؟"

أعرف جيداً أن صديقي يسأل ليفهم، لا ليستنكر. أعرف جيداً أيضاً أن مثل هذه المواقف تسبب ارتباكاً لبعض الناس، رغم عدم وجود أي لبس فيها.

أنشر لكم إجابتي على الصديق:

"القصة تحكي تفاصيل "استغلال جنسي" بلا أي لبس؛ امرأة فقيرة تبحث عن أي مصدر دخل أو عمل، يعرض عليها رجل عملاً ما، ويصرف عليها بعض المال، ليطلب لاحقاً مقابلاً لهذه المساعدة. هذا هو ما حدث بالضبط، وباختصار، وبدون تجميل.

مثل كل قصص الاستغلال الجنسي، لا يوجد أي سياق يجعل عرضه للجنس مقبولاً. بل بالعكس، المفترض أنه شخص نبيل يساعد إنسانة في ظروف صعبة. في مثل هذه الحالات، لا نعرض الجنس، وإذا حدث، فهذا استغلال جنسي، وليس تحرشاً – الاستغلال الجنسي أسوأ بكثير من التحرش.

كسر العين بالجِميلة ... العطية الممزوجة بالذل والقهر ... استغلال الضعف والحاجة والفقر ... إنسان يقبل على نفسه ممارسة الجنس مع شخص آخر، وهو يعلم يقيناً أن المعروض عليه، في حال وافق، ستكون الموافقة مدفوعة بالاحتياج المادي."

أنتهى هنا ردي على الصديق، الذي وافقني تماماً فيما قلت، وشكرني لأنني ساعدته لكي ينظر إلى القصة ككل، وليس فقط على الموقف المختصر "للعرض والطلب" مجرداً من السياق.

قد يرى البعض أن المرأة في هذه الحالة أيضاً مستغلة؛ قبِلت مساعدة ما، وكان الأولى ألا تضع نفسها في موقف قبول "جمايل" لا ترغب في دفع ثمنها.

أتفق مع هذا الطرح بشكل نظري ملائكي في اليوتوبيا، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي تدرك في كل امرأة أنه ليس عادي أن تقبل مالاً بأي شكل من رجل، خاصة في حال عدم وجود علاقة قوية بينهما، أو اتفاق ما يجعلهما متساويان بأي شكل.

بدون وجود صيغة أو سياق لا يجعل المرأة تبدو كعالة على الرجل، ولا في موقف ذل وضعف وقهر، مما يجعلها تقبل أن تُستغل من أجل لقمة العيش - هذا القبول المغموس بالذل ليس قبولاً ولا موافقة!

دائماً الكلام النظري سهل.

قصص الاستغلال الجنسي عموماً - ولا أتحدث هنا عن هذه الواقعة تحديداً - تحكي عن نساء قبلن الاستغلال لاستحالة الحياة حرفياً.

 مع الحروب والاضطرابات في المنطقة، ولجوء الملايين في إلى بلاد العالم، تعاني النساء اللاجئات، بالإضافة لمعاناة اللجوء التي تعانيها مثلها مثل الذكر، معاناةً خاصةً بسبب كونها أنثى – هذه هي معاناة الاستغلال الجنسي.

ببحث سريع على الانترنت نجد إحصائيات وقصص وحكايات حزينة عن نساء تم استغلالهن أبشع استغلال - فقط ليجدن مأوى لأنفسهم وأسرهن.

حتى بين المتزوجين، يوجد في بعض الأحيان استغلال جنسي وذل.

تقبل الزوجة الإهانة والقهر، وتقبل أن تمارس الجنس مع زوج تكرهه يسيء معاملتها، فقط لأنها لا تملك ما يساعدها على النجاة بنفسها وأولادها.

ذل العوز والحاجة، والخوف من مصير أبشع في الشوارع، يجعلها تقبل أن تُستغل - وما أبعد القبول هنا عن الرضا.

وجود دخل مادي منفصل، وذمة مالية مستقلة، للمرأة هو ضرورة وليس رفاهية؛ الاعتماد الكامل على شخص آخر كي تتمكني من العيش هو ذل.

مهما حاولوا تجميل هذه الحقيقة البشعة بأقوال مثل: "أنت مسؤولة منه" أو "دا حقك الشرعي وهو لازم يصرف عليكِ" - في النهاية يبقى الاعتماد المادي على طرف آخر ذل.

هذه الأفكار مدمرة حتى في أبسط صورها، كعدم الشعور بالحرج من أن يدفع شخصاً ما، شخص عابر، ثمن وجبة العشاء، أو أن تقبل المرأة هدية غالية الثمن بلا داع. تلك الأفكار التي تجعلنا نعتقد أننا نستحق وأن هذا واجب الرجل.

ليت الأمور بهذه البساطة طبعاً! أنا فقط أحاول أن أوضح أن هذه الثقافة الذكورية تساهم، ولو بالقليل، في دعم الاستغلال الجنسي.

هذه الثقافة السائدة تجعل المستغلين يعتقدون أنهم دفعوا الثمن مقدماً ولابد أن يأتي موعد السداد. يرى نفسه "كاسر عين الست بالجمايل" - وأكيد ستقبل.

حتى وإن قبلتي مساعدة مادية من أجل الاحتياج، هذا لا يجعلك مدينة لهذا الشخص بأكثر من المبلغ المالي.

أوجه الكلام هنا للنساء فقط لأنه لا يوجد شيء أستطيع قوله لشخص قبل على نفسه استغلال الاحتياج المادي لإنسان، ليطلب جنساً في المقابل.

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.