وهم "الحب الأول": حكاية ثلاثة أجيال من النساء
Wikimedia Commons

وهم "الحب الأول": حكاية ثلاثة أجيال من النساء

ثلاث تجارب لثلاثة نساء؛ الأولى هي الجدة والثانية هي الابنة والثالثة هي الحفيدة، أستعرض من خلالها هذا الوهم وتأثيراته المدمرة.

"الحب الأول" وهم تاريخي عاشته أجيال سابقة كثيرة، ومازال الكثير يعيشون فيه حتى الآن. بسبب هذا "الحب" ارتكب، ويرتكب، الناس حماقات عدة، تؤثر على حياتهم المستقبلية؛ فيعيشون حياة تعسة بسبب قرار سيئ اتخذوه كرد فعل عنيف نتيجة فشل هذا الحب.

الحقيقة هي أن "الحب الأول"، حب مراهق لا يعتمد على أي أسباب منطقية، ويقع فيه البشر نتيجة عاطفة زائفة تحدث بسبب هرمونات البلوغ لا أكثر ولا أقل.

ثلاث تجارب لثلاثة نساء؛ الأولى هي الجدة والثانية هي الابنة والثالثة هي الحفيدة، أستعرض من خلالها هذا الوهم وتأثيراته المدمرة.

في خمسينيات القرن الماضي، كانت الجدة في السادسة عشر من عمرها، متأثرة بالأغاني الرومانسية للمطرب العاطفي "عبد الحليم حافظ"، وليس أمامها منفذاً تتطلع من خلاله نحو العالم سوى نافذة غرفة نومها، التي كان يقابلها نافذة شاب جميل ومتفوق في دراسته.

كان من أوائل شباب الحي، مع إخوانها الثلاثة، الذين يلتحقون بالجامعة، حيث كان المعتاد هو أن يعمل الشباب بشهادات الثانوية العامة، وبالتالي كان الشاب الجامعي شيئاً مختلفاً ومميزاً.

وقعت الفتاة أسيرة حب الشاب الذي ينظر إليها من نافذة غرفته، ويبادلها نظرات الإعجاب والعشق. لم تقابله وجهاً لوجه أبداً، ولم تتحدث إليه أو تعرف طباعه وأخلاقه، فهو مجرد شاب وسيم مفتول العضلات على وشك التخرج من الجامعة.

تقدم لخطبتها مهندس لا يتمتع بوسامة ملحوظة، ضعيف البصر يرتدي نظارة طبية، فرفضته وانصاع لرغبتها والدها الذي كان يحبها كثيراً ويغرق في تدليلها، دون أن يعرف السبب - أنها تنتظر حبيب النافذة حتى يتقدم إلى خطبتها.

لم يخذلها الشاب الجامعي الوسيم، وبالفعل بمجرد تخرجه، ذهب والده ووالدته لطلب يدها لابنهم الجامعي اليافع، ووافقت رغم أنها وعائلتها لاحظوا أن شخصية والدته غير محببة وأنه منصاع إليها تماماً.

فسرت الفتاة الأمر على أنه شاب مهذب يحترم والدته، ولكن حقيقة الأمر لم تكن كذلك، فالفتى ضعيف الشخصية والأم هي الحاكم بأمرها في منزلهم.

رغم ذلك، وافقت على عقد القران حتى ينتهي حبيبها من خدمته العسكرية، وكان ذلك بداية للمشاكل؛ عندما كانت والدته تعلم أنه ذهب لزيارتها أولاً في إجازاته، تأتي إلى منزلهم وتوبخه أمامهم جميعاً، وتأمره بأن يغادر معها فوراً، فينصاع إلى أمرها في صمت ويتركها ولا يعود إلى زيارتها مرة أخرى خلال إجازته.

إذا علمت أم الفتى أنه أحضر لها هدية، تذهب إلى منزلها وتفتعل مشاجرة مع والدتها لأتفه الأسباب، حتى حدث وأهداها الفتى سلسلة ذهبية، فأمرته والدته بأن يعيد السلسلة لأنها ليست من الشبكة وقد حصلت على شبكتها بالفعل.

كانت هذه هي الخاتمة! لم يقبل والدها ووالدتها كل هذه التصرفات وأصدرا أمرهما بفسخ القران وإنهاء العلاقة. كان انفصالها عن حبيبها بأمر والديها بمثابة انتهاء الكون بالنسبة لها.

أمضت فترة طويلة حزينة وممنوعة من الخروج لأنها في نظر المجتمع مطلقة، رغم عدم إتمام الزيجة فعلياً، وبالتالي كان عليها أن تقبل بأول عريس يطرق بابها، وبالفعل تزوجت من رجل مطلق ولديه ابنتين، عاشت معه حياةً موجعة حتى انفصلت عنه ومعها فتاتين صغيرتين وهي في الخامسة والعشرين من عمرها.

أمضت عمرها كله تربيهما وتتجرع كأس حزنها على حياتها التي انهارت بسبب حبها الأول.

التغلب على الحب الأول
Wikipedia

الابنة، لم تتمتع بحظ أوفر من أمها، فيما عدا وعيها الشديد بأهمية إنهاء دراستها، والحرص على العمل وكسب قوتها بيديها.

الابنة، وهي في الجامعة، التقت أحد الشباب في رحلة جامعية، ووقعت في غرامه من أول لحظة وعاشت معه سبعة أيام في الجنة خلال رحلتهم بمحافظتي الأقصر وأسوان.

تعاهدا على الحب والزواج بعد إنهاء دراستيهما، ورغم أن هذا الحبيب كان دائم الحديث عن حبيبته السابقة التي تركته وكيف تألم لفقدها، لم تفهم أنها مجرد دواء لداء عشقه، وأنه لم يحبها بالفعل، بل كان يحاول أن ينسى بها حبيبته السابقة.

عندما عادا إلى القاهرة ورأتهما حبيبته السابقة، شعرت بالغيرة وقررت استعادة حبيبها، وبالفعل بين يوم وليلة فوجئت بحبيبها يتركها باعتذار بارد وكلام من قبيل: "أنت تستحقين رجلاً أفضل مني".

سقطت في دائرة الحزن والكآبة، وكانت تذهب إلى كليته لتراه من بعيد، حتى رأته مع حبيبته السابقة وعلمت من صديق مشترك أنهما عادا لبعضهما البعض وأنها لم تكن سوى طعم استخدمه الشاب لاستعادة حبيبته - ونجح.

ألم الإهانة جعلها تتجرع الأسى حتى تخرجت من الجامعة، وبدأت تدريبات عملها في واحدة من الشركات الكبيرة، حيث أًعجب بها أحد الموظفين الذي كان يكبرها بعشرة سنوات، وتقدم لخطبتها ووافقت.

لم تكن تتخيل أنها قد تقع في الحب مرة أخرى، ولم تكن قد نست ألم تجربة حبها الأول.

أعادت قصة أمها مع بعض التعديل، فلقد وافقت على أن يُعقد قرانها على أن يتم الزواج بعد الانتهاء من إعداد بيت الزوجية.

اكتشفت خلال هذه الفترة أن هذا الشخص الذي اقترنت به لا يتوافق وشخصيتها تماماً، وأنه من الصعب عليهما التفاهم، لكنها خافت أن تفسخ عقد قرانها به وتعيد مأساة والدتها.

أتمت الزواج على أمل أنها ستصلح من صفاته السيئة، لكنها لم تكن تدرك أن:

لا أحد يغير شخصيته من أجل أحد، ولا يستطيع إنسان أن يغير من شخصية آخر، إلا إذا قبل هذا الآخر.

تعقدت حياتها معه ولم تستطع أن تكمل الحياة معه، وبالفعل حصلت على الطلاق وهي تحمل طفلين - عاشت أيضاً لتربيهما وحدها.

نسيان الحب الأول
Wikipedia

الأم وعت تماماً للمأساة التي وقعت هي وأمها في أسرها، فأمها دفعت ثمن حبها الأول وهي أيضاً حدث معها نفس الشيء، فقررت ألا تقع ابنتها في حبائل نفس المصيبة.

ربت ابنتها على الوعي بالآخر، وعلى أن "الحب الأول" ليس إلا مجرد مشاعر مراهقة، وأنه لا يمكن أن يكون هو الأخير، وأننا لا يجب أن نبني حياتنا على أساسه.

لكنها لم تستطع أن تمنع ابنتها من الوقوع في الحب للمرة الأولى.

قابلت ابنتها فتى أحلامها الأول في الجامعة أيضاً، فتى جميل ومهذب يحب الشعر والأدب والموسيقى والمسرح. كان بمثابة الحلم الذي تحقق فجأة، فوقعت في غرامه، ولكن بمجرد أن وافقت على محبته واعترفت له بحبها، بدأ الفتى يتطاول عليها في الكلام، ويضيق عليها في طريقة لبسها وعلاقتها بزملائها. شعرت أنه يحاول أن يعزلها عن العالم.

حكت لأمها عنه وعما يفعله، وهنا تدخلت الأم بقوة ووضعت حداً لهذه العلاقة، ورغم هوس الشاب بابنتها ومحاولاته المستمرة لاستعادة علاقتهما، إلا أن الفتاة كانت واعية للدرس تماماً من تجربة جدتها وأمها وطالبت أمها بالتدخل.

تدخلت الأم وأبلغت الشاب أنه إن لم يتوقف عن ملاحقة ابنتها، سوف تتقدم لإدارة الكلية بشكوى ضده، وبالفعل ابتعد.

رغم حزن الابنة على ضياع حبها الأول، إلا أنها تعلم جيداً أنه ليس الأخير وأنه مجرد تجربة لا يمكن التشبث بها طويلاً.

الحب الأول وهم لذيذ، ولكنه ليس الحب الحقيقي في حياتنا، فلا تجعلوا علاقة أولى عابرة تدمر حياتكم، ولا تستسلموا لأي شروط مأساوية لمجرد البقاء في العلاقة، فهي علاقة زائلة بلا جدال.

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.