تصنيف العلاقات
Pixabay

هل ينبغي أن نحدد شكل العلاقة مبكراً؟

ألّفه أمنية طلعت الاثنين, 12/21/2020 - 08:40 م
التعارف بين الرجال والنساء أمر صحي وطبيعي، ولكن كثيراً ما نتسرع في تصنيف العلاقات، ونتعجل الحب أو الزواج.

أغلبنا يميل نحو تحديد علاقاته بالآخرين، بأن يضع عنواناً أو لافتة تصف طبيعة العلاقة، فلا يكفي أن ترحب بدخول شخص جديد إلى حياتك، ولكن تجلس لتفكر؛ كيف سيدخل وتحت أي مسمى؟ (صديق، حبيب، زميل عمل أو دراسة.. إلخ) إذ يظن الجميع أنه يجب أن تكون هناك علاقة محددة نقدمها للمجتمع!

ربما كانت هذه العادة أصيلة أكثر لدى الفتيات والنساء، عنها عند الرجال، وتحديداً عندما تلتقي رجلاً في أي موقع من مواقع الحياة، كما تذكر الباحثة كريمة ميرشانت في دراستها (كيف يختلف الرجال عن النساء: اختلافات النوع في أساليب التواصل والتأثير والقيادة) المقدمة لجامعة كليرمونت ماكينا في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية.

مع دخول مواقع التواصل الاجتماعي إلى حياتنا، وتغلغلها في أدق تفاصيلها، أصبحت انطباعاتنا ومشاعرنا وعلاقاتنا تتم بنسبة ليست بالقليلة عبرها، وبالتالي انتقلت عادة توصيف العلاقات أو عنونتها إلى هذه الساحة أيضاً، حيث سهلت هذه المواقع المهمة.

موقع فيسبوك مثلاً يقدم قوائم جاهزة لتصنيف العلاقات؛ مثل تحديد الحالة الاجتماعية (متزوج، مرتبط، منفصل، أعزب)، كما يتيح لنا تكوين قوائمنا الخاصة أيضاً مثل (قوائم الأصدقاء، الأصدقاء المقربون، المعارف، زملاء العمل، من يقرأ منشوراتنا الخاصة... إلخ).

 

زوج محتمل

 

أخبرتني واحدة من الفتيات اللائي يتواصلن معي أنها سدت الطريق على الشاب الذي قابلته لتوها منذ أسابيع بسيطة وحظرته على مواقع التواصل، وهي تتساءل إن كان ما فعلته صائباً.

سألتها إن كان قد بدر منه تعليق مهين؟ فنفت تماماً وقالت إنها تعرفت عليه عبر موقع إنستجرام، وتبادلا الرسائل لمدة أسبوع، ثم توقف عن الرد على رسائلها، فقررت أنه استهان بها كفتاة لأنها بادلته الرسائل، وبالتالي حظرته.

وعندما سألتها إن كان قد ألمح إلى ما يمكن فهمه على أنه يرغب في التعرف عليها كحبيبة؟ نفت، فأصابني الذهول وتعجبت من موقفها العنيف رغم أن علاقتهما لم تأخذ أي طريق حقيقي للنمو.

لقد تسرعت من أجل الوصول إلى نتيجة تحدد بها علاقتها معه، فهو إما أن يكون حبيباً ثم زوجاً أو لا، وبالتالي يُطرد من عالمها الافتراضي!

فتاة أخرى قابلت شاباً في واحد من تجمعات الأصدقاء المشتركين بينهما، وعندما علم أنها طالبة بكلية الفنون الجميلة وأنها تعتزم المضي قدماً في العمل كرسامة، أخبرها أن جده كان فناناً تشكيلياً هاماً وأنه ترك لعائلته الكثير من الكتب المرجعية الهامة في مجال الفن التشكيلي.

اللقاءات الأولى
Pixabay

كانت هذه خطوة إيجابية مهمة من الشاب، الذي حرص على التواصل معها عن طريق برنامج (واتساب)، وبالفعل تواصلا يومياً بشكل إيجابي وحكت لي أنه قرر إهداءها كتاباً من كتب جده المرجعية، فأخبرتها أن هذه الخطوة مهمة جداً وأن عليها الاحتفاء بها وقبول الهدية، وهذا ما حدث بالفعل.

بعد أن حصلت على الكتاب أخبرها أنه يرغب في التعرف على عائلتها وبالتالي تعد هذه خطوة متطورة ومهمة أخرى، وأن عليها أن تبني عليها بشكل إيجابي جاد، لكن فيما يبدو أن الحماسة أخذتها وقررت أن تدفع بالعلاقة سريعاً نحو حلمها الرومانسي بالخطوبة والزواج، فبنت توقعات بأنه سيتقدم لخطبتها خلال أيام قليلة، وهو ما لم يحدث بالطبع.

ويبدو أن الشاب انشغل قليلاً في أعماله أو مهام حياته اليومية، فتوقف عن التواصل معها لبضعة أيام، فأرسلت له رسالة عنيفة أخبرته فيها أنه يتلاعب بها وأنها لا تقبل بذلك، وقبل أن يجيبها حظرته (block) على برنامج الواتساب!

نفس الأمر تكرر مع فتاة أخرى وصلت إلى سن تراه عائلتها حرجاً، إذ عليها أن تتزوج في أسرع وقت ممكن، ما وضع على أكتافها ضغطاً عاطفياً شديداً، فلجأت لي للمشورة، وبغض النظر عن فكرة تحديد عمر للزواج لا يصح تجاوزه ، فقد لفت نظري ما تحكيه عن تجاربها الخاصة بالارتباط، فقد أقرت أن علاقاتها لا تكتمل وكأن هناك قوى خفية تفعل ذلك.

الحقيقة أن هذه القوى الخفية تنبع من داخلها، فهي لا تعطي لأي علاقة فرصة من أجل النمو، حيث حكت أنها تعرفت أونلاين على شاب مناسب لها كثيراً وبدأا التواصل بشكل يومي، حتى توقف فجأة عن التواصل معها لبضعة أيام، فحظرته دون أدنى تفكير على موقع فيسبوك الذي كانا يتواصلان عبره!

كثير من الحكايات المشابهة التي تنتهي بالحظر الإلكتروني العنيف، وفي الحقيقة الاستهانة بفعل الحظر على اعتبار أنه يحدث على مواقع إنترنت وليس في الواقع أمر غير مقبول، لأن العصر الذي نعيشه فرض واقعاً يقول إن مواقع التواصل والتحاور على الإنترنت هي الأداة والفعل الرئيسي لبناء العلاقات الآن.

بالتالي يجب أن نتعامل مع هذه المواقع والتطبيقات بجدية أكثر، ونمنح الأشخاص الذين دخلوا حديثاً إلى عالمنا الفرصة والوقت للتعرف بشكل حقيقي طالما لم يبدر منهم ما يسيء إلينا.

العلاقات على الإنترنت
pixabay

العلاقات الاجتماعية بين البشر تحتاج إلى الوقت والرعاية حتى تنمو وتأخذ شكلها الحقيقي، فلا توجد علاقة مهمة وأخرى تافهة، لأن كل شخص نلتقيه يضيف إلينا قيمة ما، حتى وإن كان لقاؤه عابراً أو ترك لدينا مشاعر حزينة.

كما أن العلاقات بين البشر لا تحتاج إلى عناوين عريضة، فنحن لا نحتاج إلى توصيف العلاقة، وبالتحديد بالنسبة إلى الفتيات، فليس كل رجل يدخل إلى حياتنا مشروع علاقة عاطفية أو ارتباط ينتهي بزواج، وليس كل إطراء يصدر من رجل يعني أنه يحبك، فهناك طبقات ومساحات كثيرة ومتعددة للتعارف بين البشر، والبشر ما هم إلا نوعان؛ رجل وامرأة.

 

خرافة الهدف السهل

 

نفس الحالة قائمة لو طبقناها على عدد لا بأس به من الرجال، سنكتشف أن هناك من يعتبر النساء المتواجدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي أهدافاً جنسية سهلة، خاصة لو كانت تنشر صورها بشكل متحرر أو تتحدث بجرأة عبر منشوراتها.

لقد فوجئت بشكل شخصي بأحد الرجال الذين تعرفت عليهم عن طريق صديق عمل قديم وبعد أن قبلت صداقته على فيسبوك بأيام قليلة، طلب مني زيارته بمنزله مقدماً إغراءات مادية كي أقبل وألبي دعوته.

أما على موقع إنستجرام علق شاب صغير في السن تعليقاً خارجاً على صورة لي وأنا أمارس اليوجا، فتعجبت من الاثنين لأنهما ببساطة لم يكلفا نفسيهما عناء التعرف على الشخصية صاحبة الحساب أولاً قبل أن يبادرا بموقفيهما، فربما لو كانا تأنيا قليلاً لاستطاعا التعرف عليَّ بشكل أكثر وضوحاً وبالتالي تواصلا بي على مستوى إنساني أكثر اتساعاً.

امنحوا العلاقات (حتى لو كانت عبر الإنترنت) وقتها، ولا تصدروا القرارات السريعة بشأنها، فحظر البشر افتراضياً أو مقاطعتهم واقعياً، يقلل فرصنا في نمو علاقاتنا الاجتماعية في الحياة.

مجالات الاستفادة العقلية والروحية من الآخرين متعددة، خاصة وأن طبيعتنا الإنسانية تقوم على العيش في جماعات وليس فرادى، وكلما اتسعت دوائر علاقاتنا بالآخرين، زادت فرصنا في الحياة.

لا تعيشوا بتوقعات محددة واتركوا طاقة العلاقات تنمو وتتجه في مسارها الصحيح بهدوء، فقط رشدوا عواطفكم المنسكبة طوال الوقت بلا هدف واضح ومحدد وأحسنوا النية بالبشر دون انتظار لفوائد محددة، فمن يدري؟

ربما اتسعت الدوائر لتحمل لكم أكثر مما تحلمون به.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.