التعايش مع اضطراب الشخصية الحدية، وتأثيره على العلاقات العاطفية.

تنبيه: يحتوي هذا المقال على محتوى مرتبط بإيذاء النفس. 

جاءت المريضة سوزي إلى العيادة بعد انقطاع دام شهرين عن الجلسات العلاجية، بدأت الجلسة بالشكوى من إحساسها بالفراغ وهجر حبيبها. لم تحتمل ألم الترك وجرحت نفسها عدة جروح قطعية في الجزء الأمامي من الفخذ كوسيلة للتعامل مع الألم النفسي.

سوزي فتاة في منتصف العشرينات من عمرها، لديها تاريخ سابق من سلوكيات إيذاء الذات معظمها جروح قطعية في الذراع والرجل منذ أن كانت في مرحلة المراهقة. لديها محاولتين انتحار في السابق عن طريق أخذ جرعة زائدة من الأدوية، كانت آخر محاولة منذ 6 أشهر. بعض المرات تصف شريكها بأنه أفضل شئ حدث لها في حياتها وأوقات أخرى لا تطيقه وتهجره.

تعاني سوزي من عدم استقرار مشاعرها وتنخرط في سلوكيات بشكل مندفع دون التفكير في عواقب هذه السلوكيات.

من خلال التاريخ المرضي المفصل والفحص الإكلينيكي والاختبارات النفسية، تبين أنها تعاني من اضطراب الشخصية الحدية أو “بوردرلاين بيرسوناليتي”.

ولكن ما هو اضطراب الشخصية الحدية؟ 

قبل أن نتحدث عن اضطراب الشخصية الحدية، أود أن نفهم سوياً ما هو تعريف الشخصية؟ وما هو اضطراب الشخصية بوجه عام؟

الشخصية هي كل سمات وخصائص الفرد التي تتحد بشكل فريد للتكيف مع العوامل الداخلية والعوامل البيئية الخارجية التي تتغير باستمرار. وهي الطريقة التي يختبر/تختبر بها الفرد العالم المحيط به ويتفاعل/تتفاعل معه ويعبر/تعبر بها عن نفسه/ا. مثلاً، بعض الأشخاص يميلون للعزلة أو الترتيب والنظام والبعض الآخر يميل للانفتاح على الآخرين أو العشوائية.

ويعرف اضطراب الشخصية بأنه أنماط مزمنة غير مرنة ومتكررة ومستمرة من التفكير والإدراك والسلوكيات والتعامل مع المشاعر، هذه الأنماط تسبب ضيقاً وانزعاجاً للمريض وتحدث خللاً  وتدهوراً في علاقاته الاجتماعية وحياته الوظيفية.

تظهر اضطرابات الشخصية عندما تصبح تلك السمات والأنماط المتكررة واضحة وتجعل الفرد غير قادر/ة على التكيّف بحيث يكون لديه/ا مشاكل في العمل أو الدراسة أو في التعامل مع الآخرين. ويمكن أن تُؤدِّي هذه الحالاتُ من سوء التكيُّف الاجتماعي إلى ضيق ملحوظ لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الشخصية ولدى  من هم حولهم.

هناك 10 أنواع من اضطرابات الشخصية وفقًا للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية “Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders”، النسخة الخامسة (DSM-5)، التي نشرتها الرابطة الأمريكية للطبّ النفسي.

يُعاني نحو 10٪ من الأشخاص من اضطراب في الشخصية. عادةً ما تصيب هذه الاضطرابات الرجال والنساء بالتساوي، على الرغم من أن بعضَ أنواع اضطرابات الشخصية تصيب جنسًا واحدًا أكثر من الآخر؛ فمثلًا، اضطرابُ الشخصية المعادية للمجتمع أكثرَ شُيُوعًا بين الرجال بستة أضعاف.

تسبب اضطرابات الشخصية تدهوراً لمعظم من يعانون/ين منها على مستوى العلاقات الاجتماعية والحياة الوظيفية، ولكن عادةً ما تخف الأعراض بمرور الوقت والتقدم في العمر. وبالرغم من ذلك، قد يعاني بعض الأشخاص من تدهور اجتماعي ووظيفي يدوم لفترة طويلة.

تظهر اضطراباتُ الشخصية في أواخر مرحلة المراهقة أو في وقت مبكر من مرحلة البلوغ عادةً، وعادةً ما يصاحبها أنواع أخرى من الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب أو القلق أو تعاطى العقاقير المخدرة.

حتى يومنا هذا لم نعرف أسباب الإصابة باضطرابات الشخصية بالتحديد، ولكن تؤكد الدراسات أن الاضطراب ينشأ من تفاعل أسباب بيولوجية ووراثية وبيئية. الأسباب البيولوجية تتمثل في تغير مستوى بعض المواد الكيميائية في بعض المناطق بالمخ. كما يلعب العامل الوراثي أو الجيني دور مهم حيث تزيد فرص الإصابة إذا كان أحد الأقارب من الدرجة الأولى مصاباً. وإذا نظرنا للأسباب البيئية، فتزيد فرص الإصابة لدى من تعرضوا/ن للإهمال العاطفي أو للإساءات المشاعرية والجنسية  في الطفولة.

بعدما تحدثنا عن اضطرابات الشخصية بوجه عام، سوف نركز في السطور القادمة على الأعراض التي تعاني منها سوزي وبناءً عليها تم تشخيص حالتها باضطراب الشخصية الحدية.

اضطراب الشخصية الحدية هو أحد اضطرابات الشخصية الذي يتميز بنمط شائع من عدم استقرار المشاعر وصورة الذات والمزاج والسلوك مع الحساسية الشديدة لاحتمالية الرفض أو التخلي مما يؤدي في النهاية إلى عدم استقرار العلاقات.

أعراض اضطراب الشخصية الحدية وتأثيرها على العلاقات

  • الخوف والقلق من الهجر أو الترك: مرضى اضطراب الشخصية الحدية لديهم حساسية تجاه الرفض، وقد يفسرن/ون أي تصرف من الشريك/ة على أنه دليل على رفضهم/ن. وعندما يشعرن/ون باحتمالية التخلي يصبحن/ون غاضبين/ات ويبذلن/ون مجهودات مضنية لتجنب الترك ولا يطقن/ون  إحساس الوحدة، وبالتالي ينخرطون في علاقات حتى لو لم تكن مرضية لهم/ن، كل ذلك يجعل علاقاتهم/ن غير مستقرة.
  • نمط غير مستقر من العلاقات: غالباً ما تكون مشاعر مرضى اضطراب الشخصية الحدية حادة وعنيفة وتتسم إما بالحب الشديد أو الكره الشديد تجاه الطرف الآخر في العلاقة. على سبيل المثال، قد يقومون بمدح شخص ما في وقت مبكّر من العلاقة، وقضاء الكثير من الوقت معه/ا، ومشاركة كل شيء معه/ا. وفجأة قد يشعرن/ون بأن هذا الشخص غير مهتم/ة بما فيه الكفاية، ويُصابن/ون بخيبة أمل، ثمَّ قد يقلّلن/ون من شأنه ويغضبن/ون منه.
  • عدم استقرار الهوية: يظهر ذلك في تشوه كل من صورة الجسد وتقدير الذات.
  • سلوكيات اندفاعية تؤدي إلى إيذاء الذات: مثل تعاطي المواد المخدرة، الانخراط في ممارسات جنسية غير آمنة، قيادة متهورة للسيارة، وكثرة إنفاق المال.
  • التهديد بالانتحار ومحاولات إيذاء الذات المتكررة والانتحار: على الرغم من أن عدد كبير من محاولات إيذاء الذات لا تهدف إلى إنهاء الحياة، إلا أن خطرَ الانتحار عند مرضى اضطراب الشخصية الحدية هو 40 ضعفًا مقارنة بعموم الناس. وينتحر بالفعل حوالى 8 الى 10٪ من مرضى اضطراب الشخصية الحَدِّيّة.
  • عدم استقرار المزاج: يظهر ذلك في صورة العصبية والمزاج السئ.
  • شعور مزمن بالفراغ.
  • نوبات عنيفة من الغضب وفقد القدرة على احتوائه.
  • نوبات قصيرة من أفكار الشك والاضطهاد والهلاوس: يحدث ذلك عادةً عند التعرض للضغوطات الشديدة.

يتم التشخيص عن طريق الطبيب/ة النفسي/ة، ولا يمكن لأي شخص غير الطبيب/ة تشخيص هذه الاضطرابات. وجدير بالذكر أن تشخيص اضطرابات الشخصية ليس سهلاً وقد يحتاج أكثر من زيارة للطبيب/ة لتأكيد التشخيص.

يتم علاج اضطراب الشخصية الحدية عن طريق أنواع مختلفة من العلاج النفسي مثل العلاج الديناميكي والعلاج الجدلي السلوكي والعلاج المستند على التعقل والعلاج التدعيمي. يمكن أيضا استخدام بعض الأدوية كمضادات الاكتئاب والذهان ومثبتات المزاج. يعتمد اختيار نوع العلاج على أعراض المريض/ة واختياراته والاضطرابات الأخرى المصاحبة. وفي بعض الأحيان قد يحتاج/ تحتاج المريض/ة لدخول المستشفى في حالة وجود خطر يهدد حياته/ا أو يهدد الغير. 


بعض النصائح للتعايش مع اضطراب الشخصية الحدية

من خلال ما سبق، يمكننا استنتاج أن مرضى اضطراب الشخصية الحدية يجدن/ون صعوبة في إدارة وتنظيم مشاعرهم/ن في كثير من الأحيان وينعكس ذلك على سلوكياتهم/ن وعلاقتهم/ن بالآخرين. ولكن توجد طرق للتعايش مع اضطراب الشخصية الحدية، واتباعها يساعد المرضى على تحسين جودة حياتهم/ن. ومن الضروري التنويه أن هذه النصائح متعلقة بما يستطيع المريض التحكم فيه وتعديله، فنظراً لأن اضطراب الشخصية الحدية له مسببات بيئية وبيولوجية، فقد تكون هناك بعض العوامل التي لا يمتلك المريض القدرة على تغييرها، ولكن تظل هناك إمكانية للتعامل معها بأشكال أكثر مرونة.

 

إذا كنت تعاني/ين من اضطراب الشخصية الحدية أو كنت في علاقة مع شخص يعاني/تعاني من اضطراب الشخصية الحدية، أقدم لك النصائح التالية:

  • المواظبة في المتابعة مع طبيب/ة متخصص/ة والالتزام بالخطة العلاجية المتمثلة في تناول الأدوية والانتظام في جلسات العلاج النفسي.
  • قراءة ومعرفة المزيد عن اضطراب الشخصية الحدية من المصادر الموثوقة. تعرف/ي على الأعراض وطبيعتها والأسباب التى تؤدي إلى حدوث السلوكيات الاندفاعية وكيفية التعامل معها.
  • الاتفاق مع الشريك/ة على وضع حدود في العلاقة والالتزام بها طول الوقت بحيث لا تتحول مشاعر الغضب مثلاً إلى تعدي لفظي أو بدني على الطرف الآخر.
  • رصد السلوكيات الاندفاعية والاتفاق على طريقة للتعامل معها مع الشريك/ة ووضع حدود لها، والتواصل مع الطبيب/ة أو المعالج/ة النفسي/ة في حال صعوبة التحكم في هذه السلوكيات.
  • الاعتناء بالنفس وحمايتها من الأذى النفسي أو الجسدي.
  • دعم الشريك في تلقي العلاج النفسي والمتابعة، والثناء على التحسن والتقدم في العلاج.
  • طلب المساعدة عند التعرض للضغوطات الشديدة.
  • في بعض الأوقات يكون إنهاء العلاقة هو الحل الأمثل والأفضل لكلا الطرفين، ولكن لا ننصح بالتسرع  والتساهل في اللجوء لهذا الحل دون بذل مجهود كافٍ وصادق لاستمرار العلاقة.
  • حماية المتعايش/ة مع الاضطراب عند وجود أعراض خطيرة مثل أفكار الانتحار وإيذاء الذات عن طريق استشارة الطبيب/ة النفسي/ة.
هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

الحب ثقافة

‏الحب ثقافة منصة للنقاش البنّاء حول أمور الحب والعلاقات والجنس والزواج.