كيف بدأ قتل النساء؟

إلى كل ضحايا العنف.. لكل من سُلِبَت منهن حيواتهن بالقتل.. لمن يعشن كل يوم تحت وقع التخويف والتهديد.. لكل من قتلتهن نُظم الأبوية والذكورية. 

هذا العام، كان الوقت الذي شهد الجدل الأكبر على قنوات التواصل الاجتماعي حول قتل النساء. شهدنا إضراب نسائي في يونيو بين مختلف البلاد العربية تحت هاشتاج #إضراب_نسائي_عام. لم يكن الأمر حكراً على مصر فقط و#أنا_الضحية_القادمة. ولكن تابعنا #خسرنا_واحدة_منا و#شهيدات_الغدر_الذكوري.

بدا الأمر لوهلة كما لو كان هذا العنف الموجه ضد النساء حديثاً. شهدنا تساؤلات وفزع حول هذا الانتهاك الذي أصاب مجتمعاتنا وعاصرنا محاكمات “ناجزة وسريعة” للقتلة. كل يوم يتغير اسم الضحية، والثابت هو البحث عن حقهن الضائع والعدالة لهن ، والردع وحماية من يمكن أن يُنتهَكْن  بنفس الطريقة. ولكن، ومجدداً، يتغير الاسم كل يوم، ومازلنا لا نعرف ماذا يحدث. 

وفقاً لمرصد مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، سجل عام 2021 (813) حالة قتل لنساء. يُذكر أن المرصد يقوم بجمع الحوادث المُعلن عنها في المواقع الإخبارية المصرية العامة والخاصة، بجانب بيانات المكتب الإعلامي للنائب العام المصري. إذاً، هذا لا يعكس كل ما يحدث في  الحقيقة، ولا يوجد مسح تاريخي يوضح عدد حالات قتل النساء عبر العقود المختلفة. 

صدر بحث حديث هذا العام (2022)، من هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة يشير لبعض الأرقام المهمة. وفقًا له فإنه في عام 2021، قتلت 81000 امرأة عمداً، 45000 منهن قتلن على يد شريك حميم أو أحد أفراد الأسرة، بوقع 5 سيدات كل ساعة. وأوضحت الأرقام أن بداية جائحة كوفيد-19 شهدت ارتفاع في نسب قتل النساء في المساحات الخاصة أكثر من أي نسب سُجلت منذ عام 2015. 

وبينما تزيد نسب قتل الرجال في المساحات العامة، تشير النسب إلى أن المنازل هي أخطر الأماكن علي حياة النساء. حيث أن 56٪ من ضحايا القتل على يد شريك أو أحد أفراد الأسرة هن نساء في مقابل 11٪ من الرجال. وبالرغم من قلة الاحصائيات، فالمؤشرات تدل على أن النساء والفتيات في أفريقيا هن الأكثر عرضة عالمياً للقتل على يد شريك حميم/زوج أو أحد أفراد العائلة.


نفهم لإيجاد حلول

من أجل إيجاد حلول تنهي انتهاك أو توقف تهديد، يجب أن نفهم أولاً لماذا يحدث هذا الانتهاك وماهي مصادره. هل المشكلة كانت الشخص الذي قام بارتكاب الجريمة وفقط؟ هل بإعدامه أو مقاضاته تنتهي الأزمة؟ لا أعني بسؤالي التوقف عن العقاب  أو المقاضاة، ولكن ما أتسائل عنه: ، هل هذا كافٍ؟ وذلك لأنه ببساطة لا يمكنك حل مشكلة إذا كنت لا تعرف سببها. 

في أي مجتمع تحدث الانتهاكات؟ 

هل تتفق/ين معي أننا نعيش في مجتمع تسود فيه أفضلية للرجال؟ قيمة أكبر؟ أهمية أكبر؟ 

هل تتفق/ين معي أننا نعيش في مجتمعات تحدد معايير الرجولة في حماية الشرف وممارسة التحكم والسيطرة والتمسك بالأنا (الإيجو) وأن كل ذلك يجعل  رفض المرأة لرجل أو المجادلة معه أو عدم الانصياع له غير مقبول بالنسبة له بل وقد يستوجب “التأديب” أو “الانتقام”؟ 

هل تتفق/ين معي أننا نعيش في مجتمعات تتعلم فيها النساء الاستئذان والانصياع والخوف ويُجبرن على التخلي عن امتلاك قراراتهن فيما يخص أجسادهن وحياتهن؟ 

في وسط هذه المنظومة التي يقوم فيها كل فرد بدور،  يصبح العنف الموجه ضد النساء ليس جريمة عشوائية أو فردية. ولكن يصبح العنف والقتل تحديداً شكل من أشكال فرض السلطة، وعقاب من يخرج عن الدور الذي من المفترض أن يقوم به. يصبح القتل ليس لأسباب عشوائية، ولكن بسبب أمر يتعلق بهويتك، بمن تكون وما هي الأدوار التي تؤديها. بما إذا كان حظك قد جعلك الطرف المسيطر أم الطرف الموائم؟ 

ولو انتقلنا إلى دائرة أوسع من الأفراد، مثلاً للعائلة أو الحي أو المجتمع الصغير مثل القرية أو المركز. ما هي الأعراف الاجتماعية التي يمارسها هذا المجتمع؟ هل يشجع العنف؟ هل يلوم من لا يمارسون العنف؟ هل يُجبر الضحية أن ترضخ للعنف؟ أن تحمي شرف الأسرة؟ أن تكون مطيعة؟ 

ولدائرة أكبر، هل تحمي القوانين النساء من أشكال العنف المختلفة التي قد تسبق القتل؟ لأي مدى؟ هل تصدق القوانين النساء؟ هل تحمي القوانين النساء من المعنف أياً كان من هو؟ أم أن الأسرة لا تحتسب كمصدر للعنف في وجهة نظر القانون؟ هل يستثني القانون الأقارب والزوج والشريك من العقاب؟ شاهدنا عروس الاسماعيلية بعدما ضربت، وحُكم على زوجها بشهر قد قضاه بالفعل. كيف يحمي القانون النساء من الانتهاكات المحتملة وليست الواقعة بالفعل؟ 

حينما ننكر الجزء المتعلق بالثقافة والإعلام والأسرة، وبالمنظومة التي تخلق أفراد لديهم شعور بأحقيتهم في انتهاك أفراد آخرين بهدف التأديب والسيطرة، نحن إذاً ننكر الجزء الغالب من أسباب الانتهاك، ومن ثم ننكر أي حلول قد تنهي هذا الانتهاك من بابه، ونكتفي بحلول تتعامل مع توابع الانتهاك ولكن لا تنهيه.

جريمة فردية أم عنف ضد النساء؟ ولماذا؟

وحتى وقتنا هذا، لايتم تصنيف تعرض النساء للقتل بسبب كونهن نساء وبسبب أوضاعهن المهمشة والهشة داخل المجتمعات كجريمة منفصلة. وهذا يساهم في صعوبة حصر نسب قتل النساء وتحليل الظروف المحيطة بتلك الجرائم. فضلاً عن دلالة عدم التصنيف، الأمر الذي يعكس فهم المجتمعات والتدخلات القانونية والتشريعية لطبيعة الانتهاك.  

ومن هنا ظهرت الحاجة لوجود ما يعرف بقتل النساء بناء على هويتهن، أي قتلهن بدافع أو بسبب ما تحمله تلك الهوية من صور نمطية وكراهية وعداوة. حيث أنه يعتبر النهاية القاتلة لصور من العنف، لأن كثير من حالات القتل تعقب عنف جنسي أو جسدي أو عاطفي.

إذاً، حينما تقتل النساء بسبب عدم تصديق شكواهن الطبية مما يؤدي لموتهن، أو عندما يجبرن على الزواج من شخص فينتحرن أو عندما يُقتلن لرفضهن الدخول في علاقة (عاطفية أو جنسية) مع رجل أو عندما يقتلن خلال الإجهاض غير الآمن أو بسبب التحرش أو الاغتصاب أو الضرب أو من أجل سرقة ميراثهن أو منعهن من مستحقاتهن المالية عند الطلاق أو عندما يُقتلن بناء على اختياراتهن الجنسية.. لا يمكننا أن نصف هذه الجرائم بأنها مجرد حالات عنف فردية. 

ذلك ببساطة، لأن قتلهن هو امتداد للتمييز والعنف الممنهج الذي يتعرضن له على مدار حياتهن، ولأن المجتمع بكل مؤسساته من الاقتصاد للتشريع للأسرة للعمل ينزع عن النساء الحق في تقرير المصير فيما يخص أبسط القرارات، بينما يعطي هذا الحق لكل من له سُلطة عليهن. . لم تصبح مجرد حالة عنف فردية، ولكن جبل ثلج من اضطهاد النساء تحديداً. هذا الجبل قمته هي جريمة القتل، ولكن يخفي تحته طبقات وطبقات من التمييز والعنف والكراهية والتهميش والتسلط. 

ما الحل؟

بعد كل ما تحدثنا عنه، قد تشعر/ين بأنه لا سبيل للخروج من تلك الدائرة؛ ثقافة مجتمعية متكاملة تبدأ منذ الميلاد وتتجذر في الممارسات المجتمعية وحتى القوانين، ولكن هناك دائماً مساحة للتفكير والإبداع. لا أدعو في مقالي للشعور بأن مصير جميع النساء واحد وهو القتل، ولا أدعي أن جميع الرجال قتلة. ولكن أدعو أن نفكر بصدق ومسؤولية في جذور المشكلة التي تهدد حيوات آلاف من النساء كل يوم. وأن نفهم أن جميعنا لديه/ا اختيار أن يصبح من يكون، وأي فكر ووعي وانحياز يرغب في تبنيه؟ يبدو الأمر صعباً ولكنه غير مستحيل. 

تبدو الإجابة في الوهلة الأولى هي معاقبة الجاني.. أشد عقاب. ولكن ربما بجانب هذا، علينا أن نفتح مساحات للتفكير في جذور المشكلة، وأن نتوجه بالمسؤولية ليس فقط لمن قام بفعل القتل، ولكن للعوامل والمؤسسات والمجتمعات المختلفة التي شاركت في صنع هذا الجاني ومنحته تشجيعها وسهلت وأعدت لحظة القتل. 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

الحب ثقافة

‏الحب ثقافة منصة للنقاش البنّاء حول أمور الحب والعلاقات والجنس والزواج.