التحرش الجنسي
Shutterstock

موجز يوم المرأة العالمي: شارع غير آمن للنساء

احتفل العالم بيوم المرأة، وأيضاً احتفل المصريون، رغم وجود التحرشات اليومية المعتادة بالنساء، وزاد الأمر سوءاً وقوع اعتداء من رجل على فتاة صغيرة في نفس اليوم. هل نحتفل بالانتهاكات اليومية للمرأة في مصر؟ هل الأمر أصلاً يستدعي الاحتفال؟

يوم المرأة العالمي من أكثر الأيام التي أتمنى فيها توقف النشاط الإعلامي والحقوقي المتعلق بالمرأة في مصر، بسبب التعامل الاحتفالي مع اليوم، واعتباره فرصة لمعايدة النساء وتهنئتهن على البقاء على قيد الحياة رغم القهر والظلم والانتهاكات اليومية.

أستاء بشدة عندما أرى التايملاين مليئاً بالبوستات المهنئة، وأيضاً أستاء من البوستات الأخرى الساخرة من النساء، تلك المكتظة بالعشرات من ردود فعل الـ "ها ها".

لكن كعادة مصر، تأتي سخرية القدر لنا في نهاية اليوم لتكلل المشهد العبثي بحادث تحرش رجل بطفلة في المعادي.

استيقظنا اليوم على سيل من الرسائل والروابط لأخبار وبوستات تتحدث عن الحادث الذي جرى في اليوم العالمي للمرأة، وكان من الممكن أن يمر الأمر وينجو الجاني بفعلته إذا لم توفر الصدفة كاميرا في مكان جريمته.

مثلي مثل العديد من النساء، لم يسعني بعد هذا الحادث إلا تذكر تعرضي لحادث مشابه عندما كنت في السادسة من عمري، قبل أن أعرف ما الذي يعنيه التحرش والانتهاك والاعتداء.

تتبعني رجل في العمارة التي كنت أسكن بها، ونادي عليَّ وطلب مني أن أقرأ له رقم تليفون على بطاقة معه بحجة أنه لا يستطيع أن يقرأه لنفسه.

كنت طفلة بريئة ومحبة لخدمة الغير، التفت إليه وبدأت في قراءة الرقم، وبدأ هو في انتهاك جسدي.

تجمدت مكاني للحظات، ولم يتوقف حتى بدأت أرفع صوتي، وبدأ هو يرتبك، وعندما واصلت رفع صوتي فر هارباً خارج العمارة.

كنت محظوظة لأنني استجمعت شجاعتي، رغم هذه السن، ورفعت صوتي، فلم يكن في المحيط جارة شجاعة، ولم تكن قد شاعت كاميرات المراقبة التي تسجل ما يحدث، ولم توجد بعد منصات تواصل اجتماعي تجعل مصر كلها على علم بالحادث في أقل من 24 ساعة.

 

في عالم موازٍ

 

في نفس يوم المرأة العالمي تنشر شركة اتصالات شهيرة فيديو من بطولة لاعب كرة القدم الشهير محمد صلاح، للإعلان عن منصة جديدة لتمكين النساء، بالتعاون مع مكتب للأمم المتحدة وأحد المجالس القومية.

لا شك في أن الاستعانة بشخصية عامة أو مؤثرة تساهم بشكل كبير في نجاح الحملات الدعائية، خاصة لو كان الإعلان يحمل رسالة مجتمعية أو ينادي بدعم فئة معينة من الناس.

لكن ما لم أفهمه هو أن تلك الشخصية الملهمة والمؤثرة في حالة إعلان منصة تمكين النساء لم تكن امرأة، بل رجل، وليس أي رجل بل محمد صلاح.

سبق لصلاح الدفاع علناً عن متهم بالتحرش وهو لاعب كرة القدم عمرو وردة بعد نشر شهادات من عدة نساء ضده.

لم يعتذر صلاح عن تصريحاته بل يتصدر الآن حملة دعائية لتمكين النساء، مما يحبط محاولات المطالبة بالمسؤولية الاجتماعية للشخصيات المشهورة والعامة فيما يتعلق بتبرير العنف ضد النساء أو الدفاع عن المعتدين.

التحرش في أماكن العمل
shutterstock

يعبر اختيار صلاح عن ازدواجية المعايير في مجتمعاتنا، إذ يظهر نجوم المجتمع أمام التلفزيونات داعمين لحقوق المرأة، ولكننا لا نجد هذا الدعم في المواقف اليومية، أو لا يتحول هذا الدعم إلى واقع إيجابي نسعى لتحقيقه في حياتنا.

 

الشارع غابة

 

أستدعي إلى ذهني نشر صفحات الحب ثقافة لكوميك يعرض مشهد لأب يسمح لابنه بالنزول للعب مع أصدقائه في الشارع، بينما تطلب أخته الصغيرة من أبيها أن تنزل تلعب مع أخيها فيرفض الأب وينهرها قائلاً: "معنديش بنات تلعب في الشارع".

جاءت العديد من التعليقات على هذا المنشور مرحبة برد فعل الأب، لأن الشارع غير آمن للطفلة وبالتالي من الطبيعي أن يرفض الأب نزول ابنته مع أخيها للعب لأنه يحميها من الخطر.

الشارع بالفعل غير آمن للطفلة، لكننا ننسى أن المدرسة أيضاً غير آمنة وعيادة الطبيب غير آمنة والنادي غير آمن والحضانة غير آمنة والملاهي غير آمنة والمنزل غير آمن وحتى أفراد الأسرة يمكن أن يكونوا المعتدين.

لكننا نكرر دائماً، بدون أي تحليل واقعي، أن الشارع هو الخطر والمنزل هو الأمان للنساء. محولين نظرنا عن كل حوادث العنف على يد الأب والزوج والأخ والخطيب والطبيب والمدرس ومدرب الرياضة. المشكلة ليست في نزولنا الشارع، المشكلة في تصالحنا التام مع أن الشارع غابة.

المشكلة أننا نلجأ لتحقيق الحل السهل: "لا تجعل ابنتك تنزل الشارع"، بدلاً من السعي لتحقيق الأمان في هذا الشارع.

منذ أيام نشرت شابة مصرية بوست على فيسبوك تصف فيه تعرضها للتحرش الجنسي والضرب في الشارع، حيث عبرت عن غضبها الشديد قائلة: "إحنا بقينا في غابة".

بحسب شهادتها، تعرضت آية للتحرش والضرب في شارع مليء بالمارة والمحلات، كانت معها صديقتها. لم تخف وتصدت للمتحرش، طلبت مساعدة أهلها، قدمت بلاغاً في القسم، قابلها الضابط بتفهم ولم يسيء معاملتها أو يسخر من شكواها.

نفذت آية قائمة المطالبات التي نذيعها على النساء في كل مرة يشكين فيها من العنف الجنسي، ليس هذا فقط، بل وحظيت على دعم من والدها الذي اصطحبها للقسم ولم يطلب منها التنازل "عشان سمعتها"، لكن ماذا حدث في النهاية؟

تم تسجيل واقعة الضرب ولم يتم تسجيل واقعة التحرش الجنسي في المحضر بالرغم من شكواها منه مراراً في التحقيق، مع الإلحاح المعتاد من أشخاص غريبة في القسم وأهل المتحرش بالتنازل عن المحضر، حتى اقترح عليها الضابط أن تضرب المتحرش مثلما ضربها لتنتقم منه ولكن بدون تحرير محضر رسمي! وتم إخلاء سبيل المتحرش في النهاية.

هذه ليست قصة آية وحدها، معظم قصص محاضر التحرش تمضي على هذا النحو.

يوم المرأة
shutterstock

سيبوا المرأة في حالها

 

أكثر الرسائل المزعجة التي أمر بها هي الرسائل الموجهة للنساء من أجل التصدي للعنف والانتهاكات: "ما تسكتيش"، "بلغي"، "كوني قوية"، "ما تخافيش"، "قاومي".

هل الهدف من كل ذلك أن تتحول حياتنا كنساء إلى مسابقة في قوة التحمل، وأن نبارك ونهنئ من "قدرت على التحدي" في اليوم العالمي للمرأة وعيد الأم، وغيرها من المناسبات الاستهلاكية الخالية من المعنى؟ أم يُفترض أن نعيش في مجتمع تحكمه قوانين ليعيش أفراده في أمان وسلامة بغض النظر عن جنسهم أو اختياراتهم أو سلوكهم؟

 لماذا نستميت في الدفاع عن الرجال المعتدين مهما كانت بشاعة جرائمهم ضد النساء، بينما نسن السكاكين لفتيات يرقصن أو يمرحن أو ببساطة يعبرن عن أنفسهن بعفوية وبدون أذى لأحد.

كان من ردود الفعل الأولى لحادثة التحرش بطفلة، ظهور مقتطفات من حساب المعتدي على فيسبوك، حيث نشر صوره وهو في الحج، بخلاف نشره للأدعية الدينية. وطالب بعد المعلقين على الحادث في مواقع التواصل الاجتماعي بستر الرجل وعدم فضحه طالما يحمل هذا المظهر المتدين.

ولكن في المقابل، هل اعتذرنا لحنين حسام بعد تبرئتها من المحكمة من تهم التعدي على قيم الأسرة المصرية، هل اعتذرنا لها عن كل السب والتشهير الذي تعرضت له؟ هل فكرنا كيف سنتراجع عن إهانتها هي وأهلها واتهامها بأبشع التهم الأخلاقية التي تضرب في "سمعة" أي امرأة في مصر؟ لا. لماذا لم نتكلم بنفس الحماس عن براءة حنين مثلما هاجمناها وطالبنا بعقابها والتنكيل بها؟

 

كفاية

لا يوجد حل سحري في نهاية المقال. تتعرض النساء ومنذ طفولتهن للانتهاكات اليومية، ويشعرن طوال الوقت بالغضب الشديد.

أتعاطف مع الطفلة التي تعرضت للاعتداء وأتخيل كيف سيؤثر هذا الاعتداء على نظرتها لنفسها وجسدها والعالم والرجال والجنس، وكم من الوقت ستحتاج للتعافي من أثر الصدمة.

هل ستحصل على المساعدة؟ هل ستتمكن من تجاوز ما حدث؟ أم ستحمل مثلنا غضباً مدفوناً تعيش به ولا تعرف سببه أو مصدره حتى تتعرف فيما بعد على معنى كلمة اعتداء جنسي.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.