فيروس نقص المناعة
Pixabay

"لا يمكن اكتشافه = لا يمكن انتقاله".. عش آمناً مع فيروس نقص المناعة البشري

يحتاج المتعايشون مع مرض نقص المناعة البشري ترتيبات أكبر لممارسة علاقتهم الحميمية مع شركائهم. ولكن الطب توصل إلى أنه مع العلاج يمكن أن تكون الأمور أكثر سهولة.

في عام 1981، أعلنت الولايات المتحدة عن ظهور مرض غريب لخمسة أشخاص مثليين، يسبب نقص المناعة وحدوث التهابات رئوية عنيفة، لم يكن مسمى "فيروس نقص المناعة HIV" قد اكتُشف حينها. لكن المرض وُصف بأنه اعتلال في الخلايا الليمفاوية. 

وفي ديسمبر من نفس العام، ظهرت نفس الأعراض لعدد من الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات عن طريق الحقن. وبنهاية عام 1981، كان عدد الحالات المصابة بنقص المناعة قد وصل إلى 270 شخصاً. 

لم تمر سنوات طويلة حتى اكتُشف أن الفيروس ينتقل أيضاً بالممارسة الجنسية بين الغيريين جنسياً.

فيما بعد، وبعد عزل فيروس نقص المناعة (HIV) من دماء الأشخاص المصابين باعتلال الخلايا الليمفاوية، تواترت الأبحاث والدراسات لمعرفة طرق انتقال الفيروس وخصائص تركيبه، حتى يتمكن الأطباء من توفير العلاج والتوعية بكيفية الوقاية من الفيروس. 

ومنذ عام 1997، لم تتوقف حملات التوعية للحد من انتقال فيروس نقص المناعة البشري المسبب لـ "الإيدز"، وذلك بالتزامن مع حملات العلاج باستخدام أدوية مضادة. فقد استُخدم في البداية  عقار (COMBIVIR) والذي يحتوي نوعين من مضادات الفيروس. وفي عام 2011 استُخدم عقار (COMPLERA) والذي يحتوي على ثلاثة مضادات للفيروس في قرص واحد. 

ومنذ عام 2014 وحتى الآن، أوصت منظمة الصحة العالمية باستخدام الأدوية المضادة للفيروسات (Antiretroviral Therapy –ART)، مع اتباع القواعد والإرشادات التي تقي أو تمنع انتقال العدوى، وذلك في إطار حملة كبيرة تستهدف تقليل عدد الأشخاص المصابين بنقص المناعة البشري والحد من انتقال العدوى بحلول عام 2030. 

خلال كل هذه السنوات (من عام 2014 وحتى الآن)، لوحظ تحسن صحة الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة، ممن يحصلون على العلاج المضاد للفيروس (ART) يومياً وبانتظام، حسب إرشادات الطبيب، بالإضافة إلى المتابعة الدورية لقياس نسبة الفيروس بالدم، مع اتباع وسائل الوقاية من انتقال العدوى، وتكون مضاعفات المرض لديهم أقل كثيراً. 

الأهم أنه عندما تقل نسبة الفيروس بالدم (Viral Load) عند الفحص الدوري لديهم، حتى تصل إلى نسبة ضعيفة، فإن هؤلاء الأشخاص لا ينقلون الفيروس إلى شركائهم خلال الممارسات الجنسية.

في عام 2017، جرى الاتفاق على تسمية هذه النتيجة التي توصلت لها الدراسات بـ undetectable = untransmittable.

أي: ما دام الفيروس لا يظهر في الفحص فهو لا ينتقل إلى طرف آخر عند الممارسة الجنسية.

 

مارِس حياتك بحُرِّيَة

 

بدأت القصة عام 2000، حين أجريت دراسة شملت 415 شخص غيري الجنس، وثبت أنهم صاروا غير ناقلين لفيروس نقص المناعة لشركائهم بالممارسة الجنسية؛ وذلك عندما أصبحت نسبة الفيروس في دمائهم بعد العلاج أقل من 1500 وحدة فيروس/مليلتر.  

علاجات فيروس نقص المناعة
flickr

حفزت هذه الدراسة العلماء لإجراء دراسات أخرى على نطاق أوسع. فمنذ عام 2011 وعلى مدار أربع سنوات، ثبت أن 96% من الأزواج غيريي الجنس، والذين كانوا يتناولون الأدوية المضادة للفيروس بانتظام حتى أصبحت نسبة الفيروس بدمائهم أقل من 200 وحدة فيروس/مليلتر، لم ينقلوا الفيروس لشركائهم عن طريق ممارسة العلاقة الحميمية، وحتى دون استخدام واق ذكري. 

وفي دراستين أوسع نطاقاً أجريتا عام 2016 وعام 2018، الأولى على 972 شريكاً مثلي الجنس، والثانية على 516 شريكاً غيري الجنس، بحيث كان أحد الشريكين مصاباً والآخر غير مصاب، ويتلقى المصاب الأدوية المضادة للفيروس بانتظام مع المتابعة الدورية. ظهر أن المصابين لا ينقلون الفيروس لشركائهم.

ظل الوضع كذلك رغم أن المثليين منهم مارسوا الجنس 77 ألف مرة، ومارس الغيريون الجنس مع شركائهم 36 ألف مرة، وذلك بدون واق ذكري. 

وفي عام 2017، أجريت دراسة مماثلة محصورة بين 343 ذكر مثلي الجنس، مارسوا الجنس الشرجي 17.000 مرة دون واق ذكري، ولم ترصد حالة واحدة نقلت لشريكها الفيروس بالممارسة الجنسية، طالما ظلت نسبته بالدم أقل من 200 وحدة فيروس/مليلتر. 

وهنا يجدر بنا أن نثمِّن أهمية تناول العلاج المضاد لفيروس نقص المناعة البشري لدى الأشخاص المصابين به، كأحد وسائل منع انتقال العدوى إلى شركائهم عند ممارسة العلاقة الحميمية. وبالتالي محو الوصمة والخوف الذي يُلحِق الأذى بهم ويحد من قدرتهم على الاستمتاع الجنسي. 

 

ولكن.. احذر/ي

 

بلا شك يعتبر هذا الاكتشاف الذي توصلت إليه الدراسات السابقة خبراً سعيداً بالنسبة للمصابين بالفيروس.

ولكن هذا لا يعني التخلي عن الحذر. فعلاج فيروس نقص المناعة البشري للدرجة التي تجعله لا يظهر في الفحوص، لا يمنع أو لا يضمن منع انتقال أمراض جنسية أخرى بين الشريكين؛ مثل، الزهري والسيلان وفيروس الهربس التناسلي وفيروس الورم الحليمي البشري (HPV). 

ولذا فإن استخدام الوسائل الآمنة أثناء ممارسة العلاقات الحميمية أمر محمود ويُفَضَّل دائماً الالتزام به. 

ومن الجدير بالذكر أنه حتى الآن لا توجد لدينا معلومات أو نسب إحصائية محددة تؤكد أن هذا الاكتشاف يضمن عدم انتقال الفيروس بطرق أخرى غير الاتصال الجنسي، كاستخدام الأدوات الشخصية للمصابين، تلك التي يمكن أن تصل إليها الدماء، مثل الحقن أو أمواس الحلاقة وخلافه. 

الشريط الأحمر
flickr

متى وكيف تؤدي الأدوية المضادة لفيروس نقص المناعة البشري إلى خفض نسبته حتى يختفي من عينات الدم؟  

  • يجب تناول الأدوية يومياً وبانتظام حسب وصف الطبيب. 

  • المتابعة الدورية لقياس نسبة الفيروس بالدم كل ستة أشهر أو حسب توجيه الطبيب. 

  • بعض الأشخاص الذين يمتنعون عن تناول بعض الجرعات بسبب النسيان أو خلافه، تزداد لديهم نسبة الفيروس بالدم بشكل كبير. وهنا يجب الحذر عند ممارسة العلاقة الحميمية، واستخدام الواقي الذكري لمنع انتقال العدوى للشريك. 

  • قد تقل نسبة الفيروس بالدم من أول جرعة للأدوية ويختفي تماماً عند إجراء تحليل الدم. وقد يحدث ذلك بعد ستة شهور من التناول المنتظم للدواء. فلا أحد يستطيع التنبؤ متى يؤتي العلاج ثماره! المهم هو تناول الدواء بانتظام مع المتابعة الدورية كما يطلب الطبيب. 

  • يحدث أحياناً، مع تناول الأدوية المضادة لفيروس نقص المناعة البشري، أن تزداد نسبة الفيروس بالدم بشكل فقاعي (blips)، وعند فحص الدم الذي يليه تقل النسبة جداً أو العكس. هذه التذبذبات متوقعة ولا تشكل خطورة. ولا داعي للقلق منها. 

مثال: أن تكون نسبة الفيروس بالدم عند الفحص 50 وحدة فيروس/مليلتر وعند القياس في المرة التالية تكون النسبة 150 وحدة فيروس/مليلتر.

ولكن طالما أنها أقل من 200 وحدة فيروس/مليلتر فهذا يعني أنك أصبحت غير ناقل للفيروس وتستطيع ممارسة العلاقة الحميمية دون خوف أو قلق.  

  • إذا كانت عينات الدم في الفحص الدوري خالية من الفيروس مرتين متتاليتين في خلال ست شهور، فألف مبروك! تستطيع/ين ممارسة العلاقة الحميمية بأي شكل دون استخدام واق ذكري. 

  • لكن، لا ينبغي التوقف عن تناول الأدوية المضادة لفيروس نقص المناعة، حتى بعد أن تصبح نسبته بالدم معدومة. فلا يعني اختفاء أو ضآلة نسبة الفيروس بالدم أنه تم التخلص منه نهائياً، وقد تعود النسبة للارتفاع، وبالتالي تعود الخطورة.

 

أخيراً.. 

استخدام العلاج المضاد للفيروس بانتظام مع الفحص الدوري حتى تصبح نسبته في الدم معدومة هو أحد وسائل منع انتقال العدوى بالاتصال الجنسي. كما يتيح  للشريكين الاستمتاع بممارسة العلاقة الحميمية دون قلق وخوف. ويُمَكِّنهما من الحمل وإنجاب أطفال عند الرغبة في ذلك. 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.