الخصوصية
Shutterstock

شريكي يرغب في معرفة أسراري.. بين الحدود الشخصية والزواج المستقر

الزواج رابطة قوية بين الشريكين، وقد نعتقد أن الطبيعي أن نعرف كل أسرار شركائنا داخل مؤسسة الزواج، ولكن الحقيقة هي أن هذا قد لا يكون مفيداً.

كوني وزوجي نتمتع بمساحة شخصية لم يحاول أي منا اختراقها في زواج تجاوز عامه العاشر، يجعلني أتساءل عما يحرك هوس الكثير من الزوجات والأزواج حالياً لتتبع كل الأنشطة والمحادثات الإلكترونية وغير الإلكترونية للطرف الآخر.

قالت لي صديقتي سارة إن فكرة السرية التي يصر عليها زوجي للكود الخاص بهاتفه المحمول هي التي تثير لدي الفضول لمعرفة ما يخفيه في طيات المحمول!

“أنا مش بشك فيه، بس إصراره على الاحتفاظ بعالم سري في الموبايل هو اللي خلى عندي فضول أعرف.. وهذا الفضول هو ما دفعني لانتهاز أول فرصة غفل فيها عن إغلاقه، وتصفحت هاتفه دون علمه.. لم أجد شيئاً محدداً يقلقني، ولم يتكرر ذلك”.

سألتها إن كانت توافق على أن يقوم هو بالاطلاع على هاتفها المحمول، فقالت إنه “بالأساس لا يوافق على أن أضع كوداً سرياً للهاتف لا يعرفه هو، لأن ذلك يشعره بعدم الارتياح، ولكننا ناقشنا الأمر مراراً وتكراراً دون جدوى”.

لا ترى هذه الصديقة أن هذا يعد انتهاكاً لمساحتها الشخصية، التي عرفتها لي بوصفها “وقتاً تقضيه بمفردها تمارس فيه أنشطتها المحببة مثل التسوق أو تناول القهوة في مكان تحبه.. إلخ دون التزام بإعطاء معلومات مفصلة حول ذلك”، بينما يبدو أن زوجها يرى العكس.

ربما يختلف تعريفه للمساحة الشخصية، أو يخضع ذلك لإطار متعلق بالحقوق الشخصية للرجل والمرأة من وجهة نظره، إذ أشارت هي إلى أن “المجتمع يعطي الرجل الحق في الاطلاع على كل ما يخص زوجته، ولكن العكس غير صحيح”.

للمساحة الشخصية تعريفات متعددة في اللغات والثقافات المختلفة، ولكن التعريف الأبلغ من بينهم في هذا السياق هو “تلك الحواجز والحدود غير المرئية التي يضعها كل فرد لنفسه فيما يتعلق بعلاقته وتواصله مع الآخرين”.

المساحة الشخصية لأمير اختلفت قليلاً مع هذا التعريف، فهي تعني بالنسبة له مكاناً يتصرف فيه بحرية تامة “وهو ما تحقق لي بشكل أكبر بعد الزواج والانتقال لمنزل خاص بي وزوجتي، فهو أمر عادة لا يتوفر بشكل كامل في منزل الأسرة.”

“ألا تعترض زوجتك على ذلك؟”، قال لي: إطلاقاً. “هل توافق على أن يكون لديها هي مثلاً صندوق أو درج مغلق لا تعرف ما بداخله؟”، أجاب أنه لا يمانع أبداً، موضحاً: “فالزواج لا يلغي الخصوصية في رأيي، ولكني ألاحظ انتهاك الخصوصية لدى المتزوجين بشكل كبير حالياً”.

الخصوصية بين الزوجين
shutterstock

أوضح أمير أن أبرز أشكال انتهاك الخصوصية والمساحة الشخصية بين الزوجين تتمثل في فرض سيطرة واضحة على اختيار الأشخاص الذين يقضيان وقتهما معهم، أو الاعتراض على اختيارات الشريك/ة لأصدقائه/ا، وبالطبع التفتيش والتلصص على المحادثات الشخصية من جانب أحدهما على الآخر”.

صراع الغموض والفضول

بين ما ذكرته سارة حول الفضول الذي أثاره زوجها لديها بإصراره على السرية -كما ترى هي- وبين اعتقاد أمير بأن تصفح الهاتف أو المحادثات الشخصية هو أحد أبرز أشكال انتهاك الخصوصية بين الزوجين، يبرز صراع واضح وجلي بالنسبة لي بين “الغموض” و”الفضول”، ويطرح لدي أسئلة متعددة، أهمها:

  • هل إصرار الزوج (مثل زوج سارة) على السرية نابع من كونه يعرف بفضولها المحتمل لمعرفة كل ما يتعلق به؟ أم أن فضولها ناتج عن فكرة “كل الممنوع مرغوب”.
  • لماذا ترغب هي في معرفة ما يرغب هو في الاحتفاظ به لنفسه؟
  • هل المساحة الشخصية تحتاج لتبرير؟
  • والسؤال الأهم على الإطلاق، هل نفقد مساحتنا الشخصية بالزواج؟
  • هل احتفاظ كل طرف بمساحته الشخصية أفضل لزواج صحي، أم أن الأمر يتطلب التخلي عنها تماماً وانصهار كل طرف داخل تفاصيل حياة الآخر؟

في رأيي الخاص، لا تحتاج المساحة الشخصية لتبرير، فلكل إنسان الحق في الاحتفاظ بالخصوصية في بعض أموره، خاصة وإن كانت لا تتعلق بأي حال من الأحوال بالطرف الآخر أو قد تؤثر سلباً على حياته.

اتفق أمير وسارة معي حول حق كل زوج/ة في الاحتفاظ بأسرار خاصة طالما لا تتعلق بالشريك/ة، وكذلك صديقي الصدوق أحمد الذي شدد كثيراً على ذلك، مشيراً إلى أن أكثر ما يعتقد أنه ينتهك خصوصيته بوجه عام هو إفشاء أي إنسان لأحاديثهما الخاصة معاً، وبالمثل فهو لا يرضى  بأن يطلع أي إنسان، بمن في ذلك زوجته، على أحاديثه مع الآخرين، مؤكداً أن ذلك قد يؤدي إلى “مشكلة كبيرة” وإلى فقدان الثقة بينهما.

تختلف سهى تماماً مع المفهوم الذي يطرحه أحمد للخصوصية والمساحة الخاصة، معللة ذلك بـ”أنه لو معندوش حاجة يخبيها خايف من إيه؟”، وصرحت لي أنها تتصفح محادثات زوجها والصور الذي يحتفظ بها بشكل دوري للتأكد من “إن كله تمام!”.

زوج يراقب زوجته
shutterstock

أختلف هنا مع سهى وأقول لها تلك الحكمة القديمة: “من تدخل فيما لا يعنيه، وجد ما لا يرضيه”، دوماً يا سهى.

الجميع لديه أحاديث خاصة وسرية مع الأصدقاء والصديقات، لا يعني المرء فيها كل ما يرد فيها فعلاً، خاصة إن كانت مقتطعة من سياقها، ناهيك عن الصور التي يتبادلونها- خاصة الرجال- على سبيل المزاح أو التباهي أو غيرها.

لماذا يرغب الشريك/ة في الاطلاع على الأسرار؟

على الأرجح، ينبع ذلك من:

  1. الخوف من فقدان الشريك: ويندرج تحت ذلك، حب الامتلاك، الرغبة في السيطرة، الرغبة في الشعور بالأمان.
  2. خلل في التنشئة المجتمعية: إذ ينشأ معظمنا في المجتمعات العربية على كون الزواج هو “قفص الزوجية” أو “الرباط المقدس” بما تحتويه هذه التسميات من إيحاءات بفقدان الحرية والالتصاق بالآخر، وبالتالي امتلاكه.

مفهوم الامتلاك في الزواج هو المحرك الرئيسي لكل فعل ينتهك حرية الطرف الآخر، فعندما أمتلك الإنسان، من حقي محاسبته على ما يفعله بجسده، كممارسة العادة السرية (سراً) مثلاً، وما ينفقه من دخله الخاص الذي حصل عليه نتيجة عمله، كما أعطي لنفسي الحق في اختيار أصدقاءه وملابسه، وكذلك حواراته مع الآخرين، حتى وإن كانوا مقربين.

يتحول الأمر تدريجياً ليصبح الأمر أشبه بقيد غير مرئي حول عنق الشريك/ة، يفقد بسببه قدرته على التنفس، ليس بالمعني الحرفي له، وإنما بما يمثله التنفس كشرط لحياة صحية وطبيعية.

البعض يلتفون حول ذلك بخلق عالم آخر سري بعيد عن سيطرة الزوج/ة، بينما ينفصل/ تنفصل نفسياً عنه/ا ويسخر داخلياً من إحساس الآخر بالسيطرة على زمام الأمور، والبعض الآخر يمضي حياته مقهوراً بلا حول ولا قوة، بينما يكسر قطاع آخر القيد وتنتهي العلاقة تماماً.

لماذا المساحة الشخصية مهمة حقاً؟

اتفق أحمد وأمير حول كون المساحة الشخصية مهمة جداً لكل إنسان لاستعادة التوازن في زحام الحياة وأنها ضرورية لاستمرار العلاقة بشكل صحي، وأشار الأول إلى أن اقتحامها يسبب بالتأكيد حالة من عدم الارتياح بين الشريكين، بينما كان الثاني أكثر صرامة في ذلك مؤكداً أن الاقتحام يحدث “هزة شديدة في الثقة” بين الطرفين.

أما سمر فأشارت إلى أنها مهمة “حتى لا يفقد الإنسان شعوره بالحرية، أو يشعر بأنه قيد السيطرة طوال الوقت”.

ما ذكره الأصدقاء الثلاثة الأعزاء يلخص أهمية المساحة الشخصية إلى حد كبير.

أخيراً، أقول “ابعد حبة تزيد محبة”، وهو المثل الأبلغ بالنسبة لي حول المساحة الشخصية، إذا نظرت إلى “البُعد” بوصفه تلك المساحة غير المرئية التي تفصل بين إنسان وآخر للحفاظ على خصوصيته وكيانه في التعامل مع الآخرين.

الارتباط لا يعني الالتصاق والملازمة والملاحقة، وانما يتجلى في أروع صوره في التزام الطرفين بعلاقتهما طوعاً وذاتياً.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

آخر التعليقات (2)

  1. موضوع لم أكن على علم بأهميته…
    موضوع لم أكن على علم بأهميته حتى قراءته. ذلك لأني وزوجتي اتفقنا منذ تعارفنا ثم الخطوبة ثم الزواج أن هناك حاجة لأن يحترم كل منا خصوصية الآخر فنتج عن ذلك أن اختفت مساحة الخصوصية تدريجيا وطوعيا. وأصبح كل ما لدي عبارة عن كتاب مفتوح أدعوها لقراءته معي والاطلاع على مستجداتي أولا بأول، وهي كذلك.. فأصبحنا كمن يعلم ما يخبئه الآخر دون اخطار.. يعني أصبحنا كتابان مفتوحان للآخر حق القراءة والتعليق بدون دعوة..وشكرا على المقالة الجميلة وإن اختلفت وجهات نظر الأجيل..

الحب ثقافة

مشروع الحب ثقافة يهدف لنقاش مواضيع عن الصحة الجنسية والإنجابية والعلاقات