Shutterstock

صورة المرأة الحامل في الإعلام

حين تحمل الممثلات وعارضات الأزياء، تظهر صورهن في الإعلام جميلة، وكأن الحمل أضاف عليهن جاذبية. تتساءل المرأة الحامل لم لا أكون جميلة هكذا حين أكون حاملاً، ويطرح من حولها نفس السؤال.

“دايماً كنت حاسة إن فرمني قطر وإني مش زي الستات اللي بشوفهم في الإعلانات أو حتى الممثلات”.

هكذا تتحدث سارة هاشم، 30 سنة، عن تجربة حملها الأولى، والفارق بين التغيرات التي تحدث لجسدها والصور المبهرة للممثلات والنجمات الحوامل في الإعلام.

“في الصور شكل الفنانات والممثلات في فترة الحمل بيبقى حلو قوي وجلدهم بيلمع glowing، ويادوب البطن كبيرة بسبب الحمل، ده خلاني نِفسي لما أحمل أبقى زيهم. الحقيقة الحمل ما غيرش شكلي أوي بس عمري ما شفت حد بجد جلده بيلمع كده في فترة الحمل، ولا أنا”.

لم تقتصر المسألة على الصورة التي يصدرها الإعلام، ولكن امتدت إلى ضغط المحيطين:

“كنت بتعرض لتعليقات سيئة من ناس كتير، في الشغل كانوا بيقولوا إني بقيت بطيئة شوية، وإن ذكائي قل، وصل الموضوع إنهم قالوا إن البيبي كمان هتبقى غبية، وده كان بيخليني اتأثر وازعل جداً، حتى جوزي ما كانش فاهم التغيرات النفسية اللي بمر بيها. الوحيد اللي كان بيقدم لي الدعم ويشجعني لما وزني يبقى كويس كان دكتور النسا بتاعي”.

ظل الاختلاف بين الصورة الإعلامية للحامل وتجربتها الشخصية يشغل بال سارة:

“أنا شفت إعلانات المستشفيات الخاصة بصور الستات بعد الولادة وهي خارجه شكلها حلو، حاطة ميكاب وشعرها معمول، ده غير التصوير والديكور والإضاءة. لما رحت اولد خدت معايا ميكاب، بس لما ولدت طبيعي ما قدرتش أحط حاجة، ولما شفت صورتي كان شكلي تعبان جداً”.

تظل هذه الصورة المثالية تطارد الحوامل حتى بعد الولادة: “كانوا بيقولوا شكلك حامل تاني عشان بطني كبيرة”.

تمر المرأة الحامل بالكثير من التغيرات الجسدية والنفسية أثناء فترة الحمل، نتيجة للتغيرات الهرمونية المصاحبة لهذه الفترة، تمر بأعراض مثل غثيان الصباح، وزيادة في الوزن، وتغيرات جلدية مثل الكلف أو تصبغ بعض مناطق الجسم، بجانب تغييرات فسيولوجية في القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي، هذا بجانب التغييرات المزاجية المصاحبة لتغييرات الهرمونات.

وبالرغم من أنها مرحلة سعيدة لأي شريكين يرغبان في إنجاب الأطفال إلا أنها أيضاً مرحلة موترة ومرهقة ومتعبة للمرأة، ليس فقط نتيجة هذه التغيرات الطبيعة ولكن أيضاً لإسهام المحيطين بالمرأة الحامل والإعلام في تكوين صورة ذهنية مسبقة عن مظهر الحامل.

بالتأكيد تختلف هذه التغييرات من امرأة إلى أخرى، ولكن يصاحب الحمل الكثير من الكلام السلبي من المحيطين بالمرأة، بداية من زيادة فرص تعرضها لتحرش جنسي في الشارع وإلقاء تعليقات سلبية على شكل جسدها، نهاية بتحذيرات المحيطين بتغير شكل جسدها إلى الأسوأ بعد الحمل.

حمل المرأة
shutterstock

وتتعرض الحامل إلى ضغط إضافي بسبب مظهر النجمات الحوامل في وسائل الإعلام، التي تصدر صورة خادعة ومزيفة ولا تعكس الحقيقة.

في هذه الصورة الإعلامية، تبدو المرأة مشرقة وجذابة وغير مرهقة على الإطلاق.

وكثيراً ما تستدعي هذه الصور تعليقات المتابعين، الذين يعبرون بسخرية عن جمال هؤلاء النجمات في مقابل النساء الحوامل اللاتي يرونهن في حياتهم العادية، وهذا بالتأكيد ينعكس على رؤية الحوامل لأنفسهن. من المتوقع أن تجد في التعليقات على هذه الصور أمثال هذه الجمل:

” شايفين شكلها وهي حامل مش زي أشكالكم”.

“محافظة على جسمها مش زيكم أول ما بتحمل بتتخن”.

“الممثلة دي احلوّت من بعد ما حملت”.

يتناسى الكثيرون أن هـذه الصورة الإعلامية يساهم في تنفيذها فريق عمل متكامل تتوافر لديه إمكانيات عالية من التصوير والإضاءة والمكياج والفوتوشوب حتى تخرج بهذا الشكل المثالي.

يتوفر لهؤلاء النجمات أيضاً فريق صحي وطبي كامل يتابع الحمل والتغذية والرياضة والحالة النفسية، ما يسهل عليها فترة الحمل والولادة، يساعدهم المتخصصون في خسارة الوزن الزائد بعد الولادة بسهولة.

كل هذه الإمكانيات لا تتوفر للمرأة الحامل في مجتمعاتنا، ولكن هذه الصورة التي يصدرها الإعلام على الشاشات وفي المجلات الفنية تظل تؤثر بالسلب عليها.

تقول علا محمود، اسم مستعار، 31  سنة: “أنا عمري ما تأثرت بصور الست الحامل في الميديا لأنها صورة مزيفة، وطول عمري شايفة ناس من قرايبي حوامل وعارفة أشكالهم، فلما حملت حملي الأولي شكلي ما كانش غريب، لأني كنت بقارن نفسي بأصحابي وقرايبي مش بصور الستات اللي في الميديا، فما كنتش حاسة بأي حاجة غلط في شكلي”.

لكن علا لم تهنأ بتصالحها مع مظهرها أثناء الحمل، فالضغط المجتمعي قائم دائماً: “المشكلة إني ولدت في وقت مش متوقع، فما لحقتش اعمل إزالة شعر، واحدة من الممرضات علقت اني مش شايلة شعري والدكتور جاي دلوقتي، الدكتور نفسه ما علقش بس تعليق الممرضة ضايقني قوي وخلاني بعد الولادة على طول اروح اعمل ليزر علشان لما آجي اولد تاني ابقي دايماً مستعدة”.

الموضة أو شيوع ممارسات محيطة بالحمل يمثل ضغطاً إضافياً، تقول علا: “في حملي التاني بدأ يظهر الدكاترة اللي بيصوروا الستات الوالدة اللي شكلهم حلو وحاطين ميكاب، وطبعاً بيكونوا والدين قيصري مش طبيعي، علشان القيصري سهل الستات تحضَّر فيه وتبقي جاهزة، مش زي الولادة الطبيعي، فبقيت اشوف اصحابي وقرايبي ولدوا كده وشفت صورهم قبل وبعد الولادة، كله بقي بيعمل كده بيجهز نفسه، رغم إن مش المفروض تبقي دي اهتمامات الست الحامل، المفروض تبقي مركزة علي صحتها وصحة الجنين”.

الحامل في الواقع
shutterstock

إذا كان الضغط “الإعلامي” يؤثر نفسياً على المرأة، فالضغط “الإعلاني” له دور أيضاً: “مراكز التجميل بقت تعمل إعلانات كتير للستات الحوامل عشان يشيلوا الـ Stretch marks (علامات تمدد الجلد) بعد الولادة. ورغم إني ما كنتش قلقانة من الموضوع، بس الإعلانات خلتني أفكر اعملهم بعد آخر ولادة ليا علشان جسمي يرجع طبيعي زي ما بيقولوا”.

 

للضغوط أشكال أخرى

 

لا يراعي الكثيرون الضغوط النفسية التي تمر بها المرأة خلال تسعة أشهر من الحمل، إذ تشهد الكثير من التغييرات غير المحببة لها، بالإضافة إلى التعليقات من المحيطين، وهذه التعليقات تؤثر على صحة الحامل سلباً أثناء هذه المرحلة المرهقة التي تحتاج فيها إلى الدعم والمساندة من جميع مَن حولها.

صورة المرأة الحامل في الإعلام واختلافها عن الواقع سمة عالمية، ولكن في مصر، يحمل مجتمعنا ضغوطاً إضافية على الحامل.

تقول ريم مدحت، 30 سنة: “أكتر تعليق كاني بيجيلي: إزاي مناخيرك كبرت كده، ده مناخيرك غطت على شكل وشك، كنت بضايق قوي. برضو التعليقات على الجسم والبطن اللي سمعتها قبل كده خلتني طول الوقت بلبس واسع او بحط شال علشان أغطي شكل بطني لأني كنت قلقانة اسمع التعليقات دي تاني”.

لا ينتهي الأمر مع الولادة وانتهاء الحمل: “بعد الولادة جالي تعليقات: إيه ده، انتي ولدتي ده بطنك لسه كبيرة، رغم إني كنت لسه والدة من خمس أيام، وده ضايقني وخلاني عاوزة أخس”.

تتردد على المواقع الاجتماعية الآن آراء تنتقد هذه الأفكار، ودعوات بأن تتقبل المرأة جسدها، سواء في العموم أو أثناء الحمل، لكن هذا لم يصل بعد لمحيط ريم التي تقول: “ده موجود في الجيل بتاعي، لكن الجيل الأكبر بيقولوا تعليقات سلبية كتير”.

التعليقات السلبية والتحرش أزعجا رشا حسن أيضاً أثناء حملها. تقول رشا، 38 سنة: “عندي ولد وبنت، خلال فترة حملي من اليوم الأول ببقي مبسوطة بحملي، لكن للأسف واجهت مشاكل كتير بسبب اني حامل، يعني مثلاً في الشغل كنت بسمع تعليقات كتير زي (هتفقسي امتي)، كانت بتضايقني قوي، كنت بحاول اتجنب أي حد بيقولي تعليقات سلبية، برضو تعليقات التحرش زي (انتي مين اللي عمل فيكي كده)”.

ولم يقتصر انزعاج رشا على التعليقات، ولكن على الصورة التي تظهر عليها الحامل في الإعلام المصري والمسلسلات المصرية: “دايماً بيصوروا الست انها تعبانة ومش قادرة تاخد نفسها، على عكس الإعلام الغربي اللي الست الحامل فيه بتمارس الرياضة وتروح شغلها عادي. تصوير الست الحامل على انها مريضة بيأثر على فكر الناس”.

ضغوط الحمل
shutterstock

صور برَّاقة

وجدت دراسة أمريكية أُجريت على 50 سيدة حامل، أن صورة المرأة الذهنية تجاه جسدها تقل بعد 5 دقائق فقط من التعرض لوسائط تحتوي على صور براقة وخادعة للنساء الحوامل، ما يعني أن رؤية هذه الصور تؤثر سلباً على الحامل وحالتها النفسية.

أوضحت دراسة أخرى أجريت على 600 سيدة حامل أن طبيعة علاقة المرأة مع جسدها خلال الحمل تؤثر سلباً أو إيجاباً في علاقة المرأة مع طفلها وشريكها، وصحتها النفسية بشكل عام، وأوضحت الدراسة أن السيدات يتعرضن إلى ضغط دائم أثناء الحمل وبعده، لذلك من الضروري دعم السيدات الحوامل نفسياً خلال هذه الفترة.

لذلك ننصح النساء الحوامل أو المقبلات على الحمل بالتالي:

  • اقرأي جيداً عن التغيرات الجسدية التي يمكن أن تحدث لك قبل الحمل، من الضروري أن تستعدي لها نفسياً، ومن المهم معرفة أن الكثير من هذه التغيرات سوف تختفي أو تقل بعد الولادة. نشجعك على مناقشة هذه الأمور مع الطبيب/ة، عبري عن مخاوفك أمامه، حتى تتمكني من التعامل مع هذه التغيرات أثناء الولادة وبعدها.
  • من الضروري معرفة أن الصور التي يعرضها الإعلام، سواء التقليدي أو المواقع الاجتماعية، صور مزيفة وغير حقيقية، كلها مُعدة مسبقاً، وبمساهمة فريق كبير، وفي كثير من الأحيان يجري التدخل ببرامج الصور كالفوتوشوب لتجميلها.
  • في حالة تعرضت لأي تعليق سلبي من المحيطين، لا تلجأي إلى الصمت، واحرصي على توضيح أن التعليق ضايقك، وترفضين تكراره. هذا سيساعد على التقليل من الكلام السلبي الذي يصدر من المحيطين منك، لأنه أحياناً يكرر الناس الكلام بلا حساب.
  • رغم أن فترة الحمل مرهقة ومتعبة، تذكري أنها منحة إلهية. اسعدي بها واستمتعي بها وبطفلك القادم.

 

أما المحيطين بالمرأة الحامل فننصحهم بالتالي:

  • دور الشريك مهم جداً في الدعم والتشجيع، ينبغي أن تعرف المزيد عن التغيرات التي تمر بها زوجتك كي تستطيع تقديم الدعم والمساعدة.
  • علي الأهل والأصدقاء إدراك أن فترة الحمل مرهقة جداً للسيدة، وأن التعليقات السلبية أو التي يعتقدون أنها مرحة تؤثر سلباً على صحتها النفسية حتى بعد الولادة.
هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

آخر التعليقات (2)

    1. شكراً لك، يسعدنا إعجابك…

      شكراً لك، يسعدنا إعجابك بالمقال. 

الحب ثقافة

مشروع الحب ثقافة يهدف لنقاش مواضيع عن الصحة الجنسية والإنجابية والعلاقات