من أجل علاقة ناجحة: لا تبحثوا عن الحب
Pexels

من أجل علاقة ناجحة: لا تبحثوا عن الحب

ألّفه فيروز كراوية الخميس, 08/01/2019 - 05:18 م
على أي أساس تبني معرفتك بالطرف الآخر؟ الحب، الاستقرار، ممارسة الجنس؟

أشعر بالحيرة كلما حاولت التفكير في طريقتنا في الارتباط بالجنس الآخر. أعلم أننا غالباً نكبر وصورة هذا الآخر في أعيننا ناقصة، بها الكثير من المجاهيل، ولا يسمح لنا باستكشافه إلا عبر طرق ملتويةً - دون علم الأهل، عن طريق أوهام الأقران، أو من خلف الحجب والستائر.

لذلك أشفق علينا عندما نكبر، وتلح علينا احتياجاتنا للارتباط، عم نبحث ونحن نختار؟!

مجتمعنا المتناقض لا يقول صراحةً أنه يحارب الحب. يستمر في إغراقنا بالأغاني الرومانسية، بينما يمنعنا من حضن الجنس الآخر في المجال العام، يعتبرها فضيحة. أما نحن، فبالتبعية نبحث عن الحب، بالذات في عالم مفتوح تنهال فيه نصائح عن السعادة مع الشريك، وبوسترات الهدايا على إنستجرام، وعروض الزواج المفاجئة المبتكرة.

بين العالمين، نعرف أن الأمور لا تسير بهذه البساطة؛ عالم في الخيال، وسجون في الواقع. نعرف أن كثير من الزيجات حولنا تتم تلبيةً لرغبة أطراف كثيرة دون رغبتنا، أو على الأقل تأتي رغبتنا في ذيل القائمة.

"كمل نص دينك"

"آن الأوان تستقر/ي"

"الناس تقول علينا إيه"

"بنت خالتك بقى معاها اتنين والتالت في السكة" ...

دائماً هي طموحات الآخرين، ورغباتهم أيضاً في نسب عائلات ذات ثروة أكبر، ظروف مادية أفضل، وهدف الزواج في حد ذاته. تكبر البنات وهدف الزواج سيف مسلط على رقبة أعمارهن، ومعيار لأنوثتهن- التي ربما لم تأتيهن أي فرصة لاكتشافها بعد.

لكن لو دققنا، فالارتباط في مجتمع ظروفه الاقتصادية صعبة ليس بالعبء الهين – خصوصاً والمعتقدات الخاصة بالمساواة في تشارك أعباء الحياة كلها "رايحة في ستين داهية."

لا المرأة ستجد شريكاً مُعيناً في تفاصيل إدارة المنزل وتربية الأطفال، ولا الرجل سيجد شريكة مُعينة من خلال التقدم في عملها وزيادة دخلها بالدرجة الكافية؛ ما زال الرجل يعول والمرأة تربِّي.

ربما عليك أن تفكر في تلك الخدعة التي نتعرض لها جيلاً وراء جيل؛ ما هي الأولويات؟

في السن التي تبدأ فيها حملات التزويج والحث على الارتباط، هل تتلخص أولوياتك فعلاً في الزواج مبكراً؟

هل مررت بتجارب حقيقية تعرفك بالجنس الآخر؟ تجارب تكفي لتقرر مع من ستمضي قسطاً وافراً من حياتك، ربما يكون الأبد؟ على أي أساس تبني معرفتك؟  الحب، الاستقرار، ممارسة الجنس؟

نحتاج للثلاثة، ولكن نحتاج قبلهم لرحلات التواصل.

الحب وحده لا يكفي
Pixabay

نحتاج للقاء الجنس الآخر لنعرف ما نحتاجه وما نحصل عليه من خلاله. نحتاج لإدراك أي نوع من الارتباط والشركاء يناسبنا أكثر؛ المفاجأة أننا لسنا نسخاً متكررة فيما يخص أذواقنا واحتياجاتنا.

مهارات الذكورة والأنوثة التي نحتاجها للتأثير على الآخر وجذبه تختلف عن مهارات تعريفه بأنفسنا ومعرفته أيضاً. الأولى تحتاج للذكاء الاجتماعي والجنسي وفروضه، والثانية تحتاج شجاعة التواصل والكشف عن الداخل دون تورية قدر المستطاع.

يكتشف الأزواج في مجتمعاتنا أنهم تزوجوا أشخاصاً غير هؤلاء الذين عرفوهم في فترات التعارف المرتبة من الأهل وفترات الخطوبة القصيرة. بعد الزواج تبدأ عملية إعادة التكيُّف مع شخص جديد لم يعد هناك ما يخفيه، أو تخفيه، عن عين شريك/ة المنزل والسرير  ربما يكون أوان التواصل قد فات لصالح أوان التأقلم مع أمر واقع حتى تسير الحياة.

لسنا في عصر يمتلك فيه الفرد أريحية تحمل مزيد من الأعباء إرضاءً للغير، كل أعباء العصر قد يكون الشعور بمتعة التواصل جزءاً من تخفيفها - ولكن يبقى التواصل أيضاً مغامرة.

مغامرة التواصل

نحن نتشكل ونتأثر كثيراً بطفولتنا وكيف عشناها، وبحثنا عن الشريك هو أيضاً يتأثر بالحالة التي كنا عليها ونحن ننفصل عن رعاية الأهل.

 سواء أمدنا الأهل بالحنان والرعاية، أو بالتجاهل والحرمان من التعبير، سنجد صدى لذلك التاريخ ونحن نبحث عن الشريك. ربما يقرر بعضنا ألا يعاود مغامرة التواصل ثانيةً، فقد يقابل بالرفض الذي واجهه سابقاً.

نعيش وعار الرفض واحتمالات عدم القبول تحيط بنا. في كل مرة يكون فيها التواصل محتملاً، نكون نحن مسلحون بما يحمينا إذا فشل التواصل.

الاحتياج ضعف إذا لم يتقبله الشريك، أو إذا تشكلت صورتنا عن نفسنا بهذا الشكل، بالذات لو كنا ذكوراً في مجتمع يطلب من الذكر دائماً التجلد والتحمل وعدم إظهار المشاعر.

لكن إظهار المشاعر، ومشاعر الضعف واللجوء للآخر هي نصف عملية التواصل، والنصف الآخر، بطبيعة الحال، هو توفير المساحة للآخر ليفعل نفس الشيء. إذا تربينا على تفادي هذا الموقف لما قد يعرضنا له من حرج أو هوان، فلن نستطيع أيضاً أن نقدم الفهم والاحتواء لشركائنا الذين نحبهم.

سنترك المساحات للغضب المكتوم، وسنحترم ابتعاد المسافات بدلاً من تقريبها.

سنُعَلِّم الأنثى أن أولوياتها من العلاقة المشتركة هي تأمين استقرار الأسرة على حساب تعبيرها العاطفي عن ذاتها وآلامها واحتياجاتها، وسنُعَلِّم الذكر أن تحمله للمسئولية في العلاقة المشتركة يعني تأمين الوضع المادي والقيام بمهام الحماية.

في الحالتين يجدد الطرفان شكل الحرمان الذي عانوا منه في الطفولة، أو يتجهان بكل قوتهما للهروب للأمام؛ إنجاب المزيد من الأطفال، الانشغال بمزيد من الإنجازات المادية، أو افتعال الخلافات حول الكثير من الموضوعات الجانبية تصريفاً للألم الذي يسببه الحرمان المستمر.

لذلك، فقبول الإقدام على مغامرة التواصل هو بالأساس قبول المواجهة مع الماضي والأحزان التي خلفها في نفوسنا. هو قبول بأن حياتنا المستقبلية مع الشريك يمكن أن تحمل احتمالات أخرى غير تلك التي حملتها حياة الأهل وحياتنا معهم، وأن الآلام التي اكتنفت طفولتنا يمكن مداواتها في سن أكبر، لو استخدمنا خبرتنا المختلفة وعناصر شخصيتنا الحقيقية - وليست شخصيتنا التي تشكلها الذكريات الحزينة وكليشيهات المجتمع عن الذكر الحق والأنثى المطيعة.

عدا ذلك يصبح الحب بمعناه الرومانسي بالوناً يكتسب حجماً كبيراً في بدايته حتى يفرغ من الهواء. الأكسجين الحقيقي الذي يبقي علاقاتنا مجالاً للنمو الشخصي والتحرر من آلام حرمان الطفولة، هو القدرة على تحقيق التواصل برغم صعوباته ومغامرته.

Comments

مرحباً heba،

الطفولة مرحلة هامة وخطيرة في حياتنا، ويظل تأثيرها علينا ممتداً ربما حتى نهاية العمر، ولكن يمكننا أن نقاوم ذلك بتركيز تفكيرنا في الحاضر والمستقبل، وأن نستكشف إذا كان تصرفنا الحالي ببه تأثير طفولي أم لا. المسألة تحتاج بعض التدريب والكثير من الفهم للذات، وكذلك التفاهم المتبادل بينك وبين الشريك.

الحب ثقافة

مرحباً Ahmed،

الحب والاندماج يساعدان كثيراً في تقليل حدة الاختلافات الفكرية والدينية. ولكن الشريكين بحاجة إلى المزيد من الحب والتفاهم والاندماج لتجاوز تلك الاختلافات، وعلينا أن نضع في الاعتبار أن هذه الاختلافات لا تخصهما وحدهما ولا تنتهي بانتهائهما منها، فالاختلافات الفكرية والدينية قائمة من خلال الضغط المجتمعي وظروفه وقوانينه. لذلك من المهم التفكير في كل هذه الأمور.

الحب ثقافة

لم افهم جيدا ما هو المقصود بالتواصل لدرجة وصفكم له بالمغامرة .. فنحن عموما نتواصل مع الجنس الاخر وربما نستكشف شخصياتهم جيدا لكن تواصلنا معهم لا يتعدي الحدود المتعارف عليها لمجتمعنا

إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.