العبور الجنسي
Shutterstock

العبور الجنسي في مصر.. رفض مجتمعي ومسارات قانونية معقدة

حياة العابرين والعابرات جنسياً في مصر تحيطها العديد من الصعوبات، وتوجد العديد من العوائق أمام أي خطوة يتخذونها، هذا الذي قد يعطل حياتهم تماماً.

في عام 1988، أجرى الدكتور عزت عشم الله عملية تأكيد جندري لسالي محمد عبد الله التي ولدت في جسد ذكري.

قررت سالي إجراء الجراحة كي تشعر بارتياح وتوافق مع جسدها، لكن لاحقاً استدعت نقابة الأطباء بالجيزة الطبيب عزت وطبيب التخدير المشارك في إجراء الجراحة، وأصدرت قراراً تأديبياً ضدهما ثم استدعتهما النيابة العامة وحققت معهما، ولكن تمت تبرئتهما فيما بعد.

بدأت سالي في خطوات تغيير أوراقها الرسمية، استطاعت أن تغير الاسم والنوع من خلال مكتب السجل المدني ببولاق. لم يكن تغيير بيانات الأوراق الرسمية عقبة حينها.

تشير هذه القصة إلى الوضع الاجتماعي والقانوني للعابرين جنسياً في مصر، حيث كل شيء مرتبك تجاههم، قد يجري الأطباء جراحات تخصهم، ولكن القانون لا يعترف بها، وقد يعترف القانون بالعابر/ة جنسياً، ولكن قد لا يجد طبيباً ليساعده على المضي في رحلة عبوره/ا.

العبور الجنسي مصطلح يشير إلى الأشخاص الذين يشعرون بأن هويتهم الجندرية لا تتوافق مع الجنس البيولوجي الذي ولدوا عليه، يعاني البعض منهم من الانزعاج الجندري Gender Dysphoria، فيلجأون إلى إجراء جراحات وأخذ علاج هرموني كي يتوافق جسدهم مع هويتهم الجندرية، ويلجأ آخرون للمعالجة الهرمونية فقط.

والبعض الآخر منهم لا يرى ضرورة في إجراء الجراحات الخاصة بالعبور أو اللجوء إلى المعالجة الهرمونية، ويكتفون بتغيير هويتهم الاجتماعية فقط.

كان يتم تشخيص العابرين والعابرات من قبل الأطباء النفسيين بـ "اضطراب الهوية الجندرية" لكن بحسب التصنيف الدولي للأمراض الذي تنشره منظمة الصحة العالمية فقد تم تغيير المصطلح إلى "عدم التوافق الجندري" في الإصدار العاشر، وحُذف من قائمة الأمراض والاضطرابات النفسية.

أما بالنسبة لبينيي الجنس فهم أشخاص يولدون بخصائص جسدية/جنسية غير نمطية، على سبيل المثال قد يولد الشخص بأعضاء جنسية ملتبسة تجمع بين الصفات الأنثوية والذكرية، أو بنية كروموسومية غير نمطية أو أعضاء جنسية داخلية.

لذلك يختلف العبور الجنسي أو عدم التوافق الجندري كلياً مع البينية الجنسية، لأن عابري الجنس لا يولدون باختلافات عضوية جسدية أو أي اضطرابات نفسية حسب منظمة الصحة العالمية.

العبور الجنسي والبينية الجنسية ليسا من ضمن الاضطرابات نفسية، لكن تتولد عندهم الأمراض والمشاكل النفسية تأثراً بوصم المجتمع لهم، طالما يختلط الأمر على الأشخاص، بل في بعض الأحيان يشكل هذا الاختلاط مشكلة.

الانزعاج الجندري
shutterstock

عندما تأتي سيرة العبور الجنسي يتعاطف بعض الأشخاص مع القضية ظناً منهم أن العابرين هم أشخاص يعانون من مشاكل عضوية لا دخل لهم بها، لكن حينما يفهمون حقيقة الأمر يسحبون دعمهم ويبدأون في الهجوم على مجتمع العابرين.

هذا ما حدث مع نور هشام سليم، فقد تعاطف معه عدد ليس بالقليل من الشعب المصري تحت مفهوم أنه شخص يعاني من مشكلة عضوية/نفسية، وعندما خرج نور بتصريح على حسابه الشخصي على إنستجرام غاضبًا بعد وفاة سارة حجازي  قائلاً: "… أقولكم على حاجه؟ أنا مكنش في خلل هرموني ولا انترسكس (بيني الجنس)، ده مكنش تصحيح ده كان تحويل..."، هاجمه نفس من كانوا يدعمونه، بل وصل الأمر ببعض المحامين لرفع قضية ضده بدعوى أنه ينشر الفجور في المجتمع.

 

تاريخ العبور الجنسي في مصر

 

العبور الجنسي وُلد مع الطبيعة، وغير مستجد، وليس دخيلاً بالطبع على الثقافة المصرية.

شهدت مصر الفرعونية عدة شخصيات تنتمي إلى مجتمع الـLGBTQ .

على سبيل المثال كتب عالم المصريات واليس بدج عن احتمالية ازدواجية الجندر الخاص بالإله رع، مما يشير الى دراية المصريين القدماء بالطيف الجندري.

أما بالنسبة إلى التاريخ الحديث، نجد عدة حالات اشتهرت من بينهم قصة "علي" الذي وُلد في جسد أنثوي وأجرى عملية جراحية في مستشفى القصر العيني لكي يتوافق جسده مع هويته الجندرية، نشرت قصته عام 1947 في جريدة المصور .

 

قوانين وقرارات مقيدة لحقوق العابرين بمصر

 

في الواقع لا يوجد قانون بعينه ينظم حقوق العابرين في مصر.

لكن في 2003 صدرت لائحة آداب المهنة بقرار من وزير الصحة آنذاك.

تقر اللائحة بتنظيم لجنة تسمى لجنة تصحيح وتحديد الجنس تابعة لنقابة الأطباء من شأنها أن تسهل إجراء العمليات الجراحية على نفقة الدولة، وتسهيل تغيير بيانات الأوراق الرسمية، تتكون اللجنة من 7 أعضاء من بينهم عضو من دار الإفتاء المصرية.

لم تنعقد اللجنة منذ 7 سنوات تقريباً بسبب عدم حضور عضو لجنة الإفتاء مما يجعل حياة الكثيرين معلقة على توقف انعقاد اللجنة.

قبلها انعقدت اللجنة عدة مرات وقد أجرى بعض العابرين والعابرات العمليات الجراحية اللازمة بعد تقرير اللجنة وعلى أيدي أطباء في مستشفيات حكومية، وكان آخر من مضوا في مسار لجنة تصحيح الجنس، قبل إغلاق أبوابها في وجه المعنيين، هو العابر الجنسي محمد علام، الذي أجرى عملياته الجراحية على يد الطبيب الجراح المتخصص في المسالك البولية محمد عبد الرسول بمستشفى القصر العيني.

رمز للعبور الجنسي
shutterstock

أما عن البدائل التي يلجأ إليها الأشخاص العابرين في مصر فهي تعني رحلة شاقة وبها تمييز تجاه أصحاب الطبقات الاجتماعية الأقل وربما تشكل خطراً على صحتهم، حيث يقومون بأخذ العلاج الهرموني بدون إرشادات طبية نظراً لعدم توفر الخدمات الصحية، فقط يتداولون فيما بينهم أسماء العلاجات الهرمونية التي يستطيعون جلبها من الصيدليات بدون روشتة طبية.

ووفقاً لإحدى العابرات جنسياً -فضلت عدم ذكر اسمها- تبدأ تكلفة إجراء الجراحات في عيادة خاصة من 10 آلاف جنيه وتصل تقريبًا إلى 30 ألف جنيه.

هذه هي الأسعار المتداولة بين الأفراد، والجدير بالذكر أن هذه المبالغ لا يستطيع الكثير توفيرها، خاصة في ظل الصعوبة التي يجدها النساء والرجال العابرين في إيجاد وظيفة ذات ظروف آدمية توفر لهم الحد الأدنى من الأجور، مع غياب دعم الأهل في كثير من الأحيان، وغياب دعم الدولة.

ورغم عبء توفير هذا المبلغ لا تُرضي نتائج العملية الكثير من الذين أجروها لأن الطبيب القائم على إجرائها غير متمكن أو متخصص في هذا النوع من الجراحات، بل لا يتحمل الطبيب أي مسؤولية عن أي أخطاء طبية تحدث أثناء العملية، لأنه بالطبع لا يوقع على أي أوراق رسمية خاصة بالعملية.

وهذه التفاصيل ربما تخص بشكل أكبر النساء العابرات في مصر، لأن من الصعب إجراء الجراحة الخاصة بالرجال العابرين داخل مصر نظراً لصعوبتها ودقتها العلمية، لذا فإن أصحاب الطبقات العليا من الرجال العابرين هم الأوفر حظاً، لأنهم يملكون الإمكانيات التي تؤهلهم للسفر بالخارج لإجراء الجراحات اللازمة على أكمل وجه.

 

للاطلاع على المزيد: كيف نفهم العبور الجنسي من الناحية الطبية؟

 

بعد إجراء الجراحات المطلوبة يأتي دور تغيير بيانات الأوراق الرسمية، شَكَّل قانون الأحوال المدنية المصري (رقم 143 لسنة 1994) لجنة خاصة تكون هي المسؤولة عن تصحيح قيود الأحوال المدنية، الأمر الذي وضع قيوداً جديدة في وجه العابرين والعابرات في مصر، فلا يمكن حدوث أي تغيير في بيانات الأوراق الرسمية للأشخاص إلا بناء على قرار صادر من هذه اللجنة، وبالرغم من صعوبة تخطي كل شروط اللجنة وعقباتها لكن هنالك العديد من الأشخاص الذين نجحوا في ذلك.

تحكي هـ. ن المحامية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن خطوات تصحيح قيود الأحوال المدنية من واقع خبرتها السابقة في هذا الأمر:

صعوبات العبور الجنسي
shutterstock

"أولاً نقدم طلباً في إدارة الأحوال المدنية بالأميرية لتغيير النوع والاسم، نقدم في هذا الطلب شهادة ميلاد وصورة من الرقم القومى وصحيفة حالة جنائية (فيش) وتقرير طبي وشهادة من مستشفى حكومي بإتمام العملية، ويُطلب من العابر أو العابرة أن يقوموا بتحليل كروموسومات، رغم أنه لا لزوم لهذه الخطوة، لأن الخريطة الكروموسومية للأشخاص -علمياً- لا تتغير أبداً".

تستكمل هـ. ن سرد الرحلة قائلة:

"بعدها يتم تحويلنا إلى اللجنة المختصة، وبدورها تُحوِّل الشخص للطب الشرعي للتأكد من إتمام العمليات الجراحية اللازمة، أحياناً ما يصعِّب الطب الشرعي الأمور على الرجال العابرين، لأن الأطباء في بعض الأحيان يربطون نجاح العملية الجراحية بقدرة العضو الذكري على الانتصاب، وهذا أمر غير منطقي على الإطلاق. ثم نتسلم التقرير من الطب الشرعي".

لتبدأ بعدها مرحلة أخرى: "نعود مجدداً بكل الأوراق إلى اللجنة المختصة التي حولونا إليها من البداية، وفي حالة موافقتهم على الطلب، تُحوَّل الأوراق إلى الجهات الأمنية، ويعدها تُصدر وزارة الداخلية خطاب تصحيح، ونستطيع على أساس هذا الخطاب تعديل النوع والاسم. يمكن أن تتصوروا الأمر سهلاً، ولكنه قد يستغرق شهوراً إن لم يتجاوز سنة كاملة".

 

ماذا لو لم يستطيعوا تخطي هذه العقبات؟

 

الأشخاص الذين لا يملكون الأموال الكافية لتخطي كل هذه العقبات، أو الأشخاص الذين لا يريدون إجراء عمليات جراحية ويكتفون فقط بتغيير هويتهم الاجتماعية أو هويتهم القانونية، يواجهون خطراً من نوع آخر، وهو خطر الملاحقة الأمنية.

تتم ملاحقة غير منسجمي الهوية الجندرية وإقحامهم في قضايا بموجب قانون مكافحة الدعارة (قانون رقم 10 لسنة 1961) حيث يتم النظر إليهم على أنهم رجال يرتدون ملابس نسائية، وبالتالي فهم يحرضون على الفجور، تكون عادة الأحراز في القضايا الملفقة لهم عبارة عن ملابس نسائية أو مستحضرات تجميل وواقيات ذكرية أو حتى صور لهم وهم متعايشين مع جندرهم.

يُعاقب العابرون فقط من أجل اختلافهم، ما يشكل خطراً على حياتهم وأمنهم، وذلك بخلاف التنمر والعنف المجتمعي الذي يتعرضون له، والذي قد يصل إلى الضرب في الشارع، في ظل انعدام الحماية من الدولة.

عقبات المجتمع
shutterstock

يواجه العابرين والعابرات في مصر مصاعب وعقبات في جميع مسارات حياتهم، بدءاً من رفض أسرتهم لهم (على الرغم من أن بعض الأسر تتقبل أبناءها مما يشكل دعماً قوياً لهم يساعدهم على تجاوز الكثير من الصعوبات) ومن ثم الرفض المجتمعي الذي ينتج عنه عنف نفسي أو بدني.

ويعاني العابرون والعابرات أيضاً من عنف اقتصادي، نظراً لقلة أماكن العمل ذات الظروف الآدمية التي قد تسمح بتشغيلهم، مما يوجد صعوبة في توفير احتياجاتهم الأساسية من مأكل وملبس ومشرب ومسكن آمن وخدمات صحية لائقة.

أما أكبر عائق أمامهم فهو عدم توفير نظام يسمح لهم بمباشرة خطوات العبور بشكل آمن وسهل وداعم، إذ أن الأمر تحده العراقيل من كل ناحية لعدم انعقاد لجنة تصحيح الجنس، الأمر الذي يؤدي بهم إلى اللجوء إلى أطباء غير موثوق بهم كي يستطيعوا إجراء جراحاتهم أو تناول عقاقير طبية بدون إشراف طبي، ما يعني احتمالية الدخول في مشكلات صحية عديدة.

ولن تجد عابراً أو عابرة لا يشكو من صعوبة تغيير البيانات الخاصة بالاسم والنوع في الأوراق الرسمية، الأمر الذي يعطل حياتهم تماماً.

لم يعد هذا الوضع مقبولاً، في ظل الخطوات الجدية التي تتخذها العديد من دول العالم لدعم حقوق العابرين والعابرات، لأنهم، مثل الجميع، مواطنون ينبغي أن يتمتعوا بكافة حقوقهم المدنية.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments

مرحباً ذات القبعة الوردية، 

 

الجندر هو الأدوار والصفات والمسؤوليات التي يعطيها المجتمع لكل فرد حسب جنسه. مثلاً الفتيان يرتدون الأزرق والفتيات يرتدين البمبي. وهي صفات وضعها المجتمع وليس لها علاقة بأصل صفات الفرد عند الولادة. 

نسيتو تقولو انها ظهرت في الماضي عند قوم لوط عليه السلام وانزل الله عليهم بأسه وغضبه عليهم بسبب افعالهم المحرمه . اخوتي فالله استغفرو الله وتوبو
لا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم

مرحباً عزيزي/

موقع الحب ثقافة موقع طبي ومنصة حوار حول أمور الحب والجنس والعلاقات من منظور علمي بعيداً عن الوعظ الديني.
نلفت انتباهك أن سياسات الموقع لا تسمح بتوجيه اللوم للآخرين بناءاً على طبيعتهم أو تفضيلاتهم ونرجو منك الالتزام بقواعد الموقع كي يظل مساحة آمنة للجميع.
تحياتي لكَ

إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.