الإجهاض المنزلي
Pexels

تجربة: الإجهاض المنزلي

ألّفه أحمد ندا أيلول (سبتمبر) 28, 2017, 06:52 صباحاً
"رجل وامرأة ألقيا بجنين في كيس القمامة" كأنه عنوان رئيسي يتصدر صفحة الحوادث بجريدة صفراء، مع صورة لرجل وامرأة بوجوه كالحة وعلامة سوداء تغطي أعينهم، وعبارة من نوعية "وقد أمر الرائد "س" بحبس المتهمين أربعة أيام على ذمة التحقيق."

بكل بساطة، أو بكل تعقيد، لنتجاوز قليلاً الخيال البوليسي الضحل، ولنتحرر رويداً رويداً من ثِقَل الأعراف والتاريخ والأخلاق والمجتمع والعيب والحرام والواجب والأصول.

إذا أمكنك حقاً أن تتحرر من كل المفردات التي تقيد الحريات الفردية باسم كل ما هو جماعي موغل في القدم، متجذر في أرض المجتمع، ستجد الأمر بسيطاً للغاية.

هذه حكاية عرفتها وخبرتها وعايشت تفاصيلها، كأنها خط درامي من مسلسل رمضاني وأنا الراوي العليم الذي خبر تفاصيل كل شيء.

 

الحكاية:

الشاب "أ" قابل الفتاة "ب". أحبا بعضهما، وارتبطا، ثم تزوجا. لا يبدو في الحكاية أي شيء مثير للاهتمام، تماماً مثل بدايات المسلسلات.

كل شيء يسير وفق الخطة المرسومة بدقة. لكن، ولأنها "حكاية"، لابد من عقدة أو أزمة تضفي عليها الإثارة، وتشبع شهوة التلصص على حيوات الآخرين، والتفاعل مع كوارثها دون "تورط" مادي أو نفسي.

حسناً، لن أستطرد كثيراً، سأذهب إلى العقدة مباشرة.

قرر الزوجان "أ" و"ب" أنهما لا يرغبان في الإنجاب. قررا بالاتفاق أنهما لا يريدا حياة تقليدية، ولا يرغبا في تكوين أسرة بالمعنى الاجتماعي المعروف.

هما اثنان أرادا أن يخوضا تجربة مختلفة قوامها هما فقط.

البيولوجيا كانت أقوى منهما –ها هي العقدة قد أتت- وفلتت منهما الاحتياطات مرة، وحملت "ب".

السياق الطبيعي يقول إنهما أمام واحد من ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول:

الفرحة بالمولود الجديد، والاستسلام "للقضاء والقدر" والاعتراف بأن الحمل هذا رسالة من السماء أنهما لا يجب أن يستمرا هكذا وحدهما.

يظهر القبول والخضوع في شكل الكليشيهات التلفزيونية على شاكلة: "اوعي تتحركي من مكانك، وماتشيليش حاجة تقيلة."
 

السيناريو الثاني:

أن يرفض "أ" هذا الحمل، ويعتقد أن "ب" وضعته أمام الأمر الواقع وأجبرته على شيء لا يريده، وتتصاعد الأحداث بين استسلامها "لغريزة الأمومة" كما نص الكليشيه، ومقاومته. باختصار، مشهد متكرر من الحوار بين ميرفت أمين ونور الشريف في فيلم الحفيد.

السيناريو الثالث:

أن ترغب هي في إنزال الجنين، ويتمسك هو به، لأنه يؤمن بعدم قتل النفس البريئة. يعترف أن الخطأ منهما من البداية وأنهما تهاونا في الاحتياطات الواجبة، لكن "ب" تصر على الإجهاض، فيترك "أ" البيت.

كليشيه المونولوج للبطلة المترددة بين إنزال الجنين أو الإبقاء عليه، وفي النهاية تكتشف "ب" أن "أ" أهم عندها من أي شيء في العالم، وتقرر إبقاء "حتة منه" داخلها. وينزل التتر بالنهاية السعيدة.

التفكير في الإجهاض
Pixabay

لكن واحداً من السيناريوهات الثلاثة لم يحدث، الحقيقة البسيطة المعقدة هي أن كليهما كان غير راغب في ذلك الجنين.

 

قررا "بهدوء" أن يذهبا إلى طبيب "متفتح" ليقوما بإنزاله.

لحسن الحظ أن البطل والبطلة أطباء وعلى دراية بزملائهم الأكثر تفتحاً القادرين على إتمام العملية بدون أسئلة كثيرة.

معاً، ذهبا إلى الطبيب الكبير الشهير، المتفتح، صاحب تعريفة الكشف الباهظة. صدم الطبيب الكبير حين عرف أنهما متزوجان زواجا شرعياً معلناً، وأنه لا توجد لدى "ب" موانع طبية، ولا يحوم شبح انفصال محتمل حولهما، فرض على الفور.

اندهشا من رفضه القاطع!

قال لهما "يعني أنتم متجوزين وحياتكم مستقرة، لزمتها إيه تنزلوه؟"
 

كل النقاش الذي استمر لأكثر من ساعة ذهب هباءً. كل تفتحه الذهني كان يصب في مصلحة صورة عامة كبيرة؛ يساعد البنات اللاتي "تورطن" على الإجهاض حتى لا يتعرضن لمشاكل أكبر.

من وجهة نظر الطبيب المتفتح أن في علاقة شرعية معلنة بلا مشاكل، لا يكفي رغبة الزوجين. انتفى حقهما في رفض الحمل لمجرد أنهما ليسا خاضعين للضرورة الاجتماعية.

حتى الطبيب المتفتح لا يقوم بالإجهاض إلا ليحفظ للمجتمع صورته التي يريدها. الحق في الإجهاض في حد ذاته ليس مطروحاً للنقاش.

لحسن الحظ، كلاهما طبيب، وأن الحمل في بدايته، لذلك لم يكون رفض الطبيب أمراً معضلاً.

الإجهاض المنزلي

لم يأخذ منهما البحث والقراءة أكثر من عدة ساعات حتى عرفا ما هي الأدوية التي تساعدهما على إنجاز هذه المهمة منزلياً، دون تدخل جراحي.

ولأنهما أطباء، لم يكن من الصعب عليهما الحصول على أدوية الإجهاض المنزلي، وهي لا تُصرف إلا بروشتة طبيب.

في البيت، تناولت "ب" الجرعة التي ستؤدي إلى انقباضات مؤلمة تنتج عنها أن يخرج مشروع الطفل الذي لم يكتمل، عمره 33 يوما فقط.

خرجت كتلة لحم مملوءة بالدم، بعد ألم ليس كبيراً كما توقعا. نظرا كثيراً إليها، وقررا تسميتها وضحكا.

لم يشعرا للحظة بالندم. لم يتوقفا لحظة عند الحمولة الاجتماعية والثقافية والدينية والأخلاقية إياها.

شعرا أنهما الأقوى لأنهما استطاعا تنفيذ ما يريدان بأقل الخسائر الممكنة.

 

Comments
Add new comment

Comment

  • Allowed HTML tags: <a href hreflang>
  • Lines and paragraphs break automatically.