التحرش بالرجال
Shutterstock

"هو أيضاً".. لماذا لا يتحدث الرجال عن تعرضهم للتحرش الجنسي؟

ألّفه أميرة حسن الدسوقي الاثنين, 11/09/2020 - 05:40 م
التحرش الجنسي في مجتمعاتنا يعتبر ممارسة يومية، ربما تعرضت له كل الفتيات في مصر. لكن ما ننساه أحياناً هو أن الرجال يتعرضون للتحرش أيضاً، قد يكون بنسبة أقل كثيراً من النساء، ولكنها حقيقة موجودة.

عندما يمر الطفل بحادثة تحرش، قد يفقد الثقة في أسرته التي لم تستطع حمايته، حتى وإن فعل هذا بشكل غير واع، سيكون بداخله جزء من اللوم الموجه إلى والديه، والأقسى أنه في بعض الأحيان تقع حوادث التحرش على يد أحد أفراد الأسرة أيضاً، في الحالتين يقع جزء من المسؤولية على الآباء، وهذا يعني أن الطفل لن يشعر بالاطمئنان أبداً.

ولكن حين يكبر الطفل ويتحول إلى رجل، تؤثر حادثة التحرش على ثقته بنفسه، قد لا يبدو كذلك للناس، وقد لا يعلن ذلك، ولكنه قد يظل يشعر بالسوء من هذه التجربة.

عاش أحمد، 29 سنة، فترة طفولته ومراهقته في واحدة من الدول العربية حيث كان يعمل والده، وهناك تعرض لحادثة تحرش على يد رجل عربي أثناء تسوقه في أحد المطاعم، كان عمره وقتها عشر سنوات تقريباً ولم تتعد واقعة التحرش سوى ملامسة الرجل له بيده في مناطقه الخاصة بما سمح له الموقف في هذا المطعم.

وقتها –يخبرني أحمد- لم يفهم ما يحدث ولماذا يلمسه الرجل بهذا الشكل، ولكنه يتذكر جيداً الشعور المزعج الذي سيطر على نفسه ولم يستطع تفسيره إلا عندما نضج وأدرك أنه تعرض للتحرش الجنسي في هذه السن وعلى يد رجل، وهو أكثر ما يزعجه.

ظهرت مؤخراً حملات كثيرة، منها العالمي ومنها المحلي، كحملة "أنا أيضاً"، وحملة "افضح متحرش"، كلها حملات تحث النساء على الحديث عما مروا به من تحرش وإساءات جنسية.

سلطت تلك الحملات الضوء على بعض الرجال الذين اختبأوا كثيراً وراء ستار خوف النساء من الإعلان عن تلك التجارب، حتى لو لم يُذكر اسمها مع شهادتها.

في المقابل مر بعض الرجال بتجارب مشابهة، سواء على يد رجل أو امرأة، ولكنهم لم يجدوا تلك المساحة والتشجيع للحديث عن تلك التجربة والتي قد تكون تركت أثراً نفسياً سلبياً على حياتهم.

مؤخراً سمعنا عن الطبيب الذي يتهمه البعض بالتحرش بالرجال، ولكن لم تلق تلك الحملة الدعم الذي عادة ما تلقاه حملة ضد رجل يتحرش بالنساء، وهذا -من وجهة نظري- يعود إلى اعتياد تولي النساء العاملات في الجمعيات النسوية نشر حملات التحرش بالنساء، ويقفن وراء تلك الحملات بقوة، ولكن معظمهن لا يهتممن بنشر حملات تخص التحرش بالرجال لأنه ليس شأناً نسوياً.

هو أيضاً
shutterstock

في هذا التقرير؛ نمنح هؤلاء الرجال –الذين مروا بتجربة التحرش- نافذة، حتى وإن كانت صغيرة، ليحكوا لنا عن تجاربهم مع التحرش الجنسي.

"ليته كان امرأة"

أكثر ما يزعج أحمد في حادثة التحرش التي يذكرها أنها أحياناً تهاجمه أثناء وجوده مع امرأة أخرى في أي فعل جنسي، ودون إرادته يؤثر تذكره لتلك الواقعة أحياناً على أدائه الجنسي بل وانتصابه.

لم يحكِ تلك الواقعة إلا لامرأة تكبره سناً كان يحبها، ولكن تعليقها بسخرية على ما حدث أخجله ولم يتحدث عن هذا الأمر مرة أخرى.

"خفت لا تفضحني"

خالد، شاب عمره 33 عاماً، يعيش في القاهرة منذ خمسة أعوام فقط، ويتخذ مترو الأنفاق وسيلة مواصلاته لعمله اليومي، في السنة الأولى التي جاء فيها العاصمة، وقعت له حادثة في المترو، ما زال يذكرها حتى الآن وجسده يقشعر، مرة من النشوة، ومرة من التقزز والنفور من نفسه.

في ذلك اليوم تحرشت به امرأة في عربة المترو، ألصقت ظهرها ومؤخرتها بنصفه السفلي وسط الزحام، وكان التصاقها متعمد بشكل غير مشكوك فيه، وعلى الرغم من شعوره بالنفور منها لم يتحرك من مكانه رغم أنه كان يمكن أن يبتعد عنها بسهولة، يقول "خفت لا تفضحني"، ثم يبرر أنه يشك أحياناً في أنه كان مستمتعاً واستخدم تلك الحجة ليمنح لنفسه مبرراً للاستمرار في اختلاس تلك المتعة المسروقة.

وقتها –يؤكد خالد- كان يشعر بالخوف فعلاً، وظل يتساءل هل عليه أن ينهرها؟ ولكن ماذا لو ادعت أنه هو من تحرش بها؟ وهل يبتعد عنها؟ ولكن ماذا لو هذا جعلها تشعر بالرفض فتقرر الانتقام منه؟ ولذلك تركها تفعل ما تريده حتى جاءت محطتها ورحلت.

"حتى هذا اليوم ما زلت لا أدري ما شعوري الحقيقي تجاه هذا الموقف"، أوقات يشعر بالفخر أن امراة تحرشت به جنسياً فمعنى هذا أنه مرغوب، وأوقات يشعر أنه مثل "العاهرة" التي لا تختار من يلمس جسدها، وأوقات آخرى يتذكر هذا الموقف كمحفز للاستمناء. مؤكداً لي أنه أكثر موقف مربك ومحير مر عليه في حياته حتى هذه اللحظة، وعلى الرغم من أنه حكى تلك القصة أكثر من مرة لأصدقائه بفخر، إلا أنه احياناً يندم على أنه حكاها.

التحرش الجنسي
shutterstock

"أنا فعلاً كرهت المواصلات"

يخبرني شريف، 35 سنة، أنه أكثر رجل يتعاطف مع النساء اللاتي يتحدثن عن التحرش الجنسي في المواصلات العامة، لأنه تعرض مرة على يد رجل وتلك الوقعة أثرت فيه تأثيراً كبيراً.

ظن المتحرش أن شريف نائم ولمس عضوه الذكري، وانتهى الأمر بشجار كبير وبعد أن وبخه شريف على فعلته ترك المواصلة العامة وأفرغ معدته في الطريق.

"أنا فعلاً كرهت المواصلات" وإذا تحدث مع أحد أصدقائه الرجال عن تلك المواقف معبراً عن استيائه، يناديه صديقه باسم امرأة ساخراً منه، ويتساءل: لماذا لا يصدق البعض أن الرجل ينزعج من التحرش الجنسي حتى لو جاء من امرأة؟ ولماذا ينظر للرجل الذي يشكو من ملامسة امرأة له دون رغبته على أنه ليس كامل الرجولة؟

يتذكر سامح، 40 سنة، عندما كان يصور واحداً من المشاهد له كممثل مبتدئ في شوارع وسط البلد، وفي الاستراحة كان يقف على واحد من الأرصفة، ولأن وجهه كان معروفاً بعض الشيء، اقتربت منه فتاة تخبره أنها معجبة بعمله.

وأثناء حديثها أمسكت عضوه الذكري سريعاً ثم رحلت، وقتها لم يستطع سامح استيعاب الأمر وصعد لدى صديقة له تعيش في نفس المنطقة وحكى لها القصة وأنفاسه متسارعة ويبدو عليه الخوف، فسخرت منه صديقته قائلة "مكسوفة يا بيضا". واندهش كثيراً من رد فعلها وضايقه لأنه بالفعل كان يشعر بالانتهاك وقتها، وكلما تذكر هذا الموقف شعر بغضب شديد لأنه لم يدافع عن نفسه.

يقول طبيب الأمراض النفسية محمد حسن إنه حين نتحدث عن التحرش الجنسي للرجال، وتأثيره النفسي يجب أن نضع في الاعتبار طبيعة ومفاهيم المجتمع الذي وقعت فيه حادثة التحرش، فكل التقارير النفسية التي كتبت عن تأثير التحرش من مصادر أجنبية يصعب تطبيقها على المجتمع العربي.

 فالرجل في المجتمع العربي يعدها إهانة أن يتحدث عن تحرش امرأة به وكأنه إهانة لشخصه كرجل، وكأنه إذا لم ينتهز تلك الفرصة ويحولها إلى ممارسة جنسية كاملة فهذا ينتقص من رجولته، ولكن أيضاً هذا لا يمنعه من الشعور، سواء واعياً أو غير واع، بالخزي لأنه استسلم لأمر لم يكن يريده منذ البداية، وسيشعر بالاستغلال كما تشعر المرأة بالضبط.

التحرش
shutterstock

يخبرني محمد حسن أنه قد يتفاخر الرجل بحادثة تحرش أو اغتصاب وقعت له في مراهقته على يد امرأة وكأنها انتصار لرجولته، ولكن في المقابل تلك التجربة تترك في نفسه اضطراباً قد لا يدركه في عقله الواعي، ويكون لها دور كبير في تشكيل تفضيلاته الجنسية.

يوجه طبيب الأمراض النفسية محمد حسن حديثه لكل رجل تعرض لحادثة تحرش أو اغتصاب، موضحاً لهم أهمية الحديث عن تلك التجربة مع متخصص نفسي، وألا يتجاهلوا هذا الأمر حفاظاً على نظرتهم لأنفسهم كرجال. 

التحرش الجنسي خاصة عندما يقع في سن صغيرة، يترك في النفس اضطراباً لا يظهر سوى بعد البلوغ، ويستمر مع الإنسان هذا الاضطراب مهما ظن أنه نسي أو استطاع تجاهل تلك الحادثة، فهي موجودة في عقله الباطن، وتتحكم في الكثير من تفضيلاته ورغباته الجنسية.

تعرضك للانتهاك سواء على يد رجل أو امرأة لا يتنقص من رجولتك في شيء ولا يزيد منها.

لا تتردد في استشارة طبيب/ة نفسي/ة إذا كان التجربة تؤثر عليك.

 

* جميع الأسماء مستعارة حفاظاً على خصوصية أصحابها

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.