تربية صبي
Shutterstock

خمسة تحديات نواجهها أثناء تربية الصبيان

تمثل تربية الأطفال الذكور تحدياً للعديد من الأمهات، ما الذي تحتاجه الأم لتنشئ رجلاً يتسم باللطف واحترام من حوله، دون أن يفقد حس المسؤولية والاستقلالية؟

كان لديَّ حلم قديم بإنجاب ذكر أجتهد في تربيته ليصبح رجلاً حقيقياً، يسعد حبيبته ولا يجرحها أبداً ويحترم النساء ولا يجهدهن. وعندما أنجبت في المرة الأولى "سلمى" واكتشفت معها العالم الرقيق "البينك" للفتيات الصغيرات وجدت المهمة أصعب.  

ويمكنني الجزم بأنني اجتهدت جداً في تربيتها لتصبح فتاة صغيرة جميلة وموهوبة.

وفي المرة التالية لي، أنجبت "سليم"؛ ولد صغير جميل يشبه أخته في الملامح.

وفي رحلتي القصيرة التي ما زلت أبحر فيها معه كنت حريصة على تربيته وفقاً لكل ما تعلمته في سنوات حياتي عن كيفية تربية الفتيان، قابلت عدداً من التحديات غير السهلة والتي قد تكون محبطة فى كثير من الأحيان إن لم أنتبه لها.

أكثر ما يرعبني أن أؤذي هويته الجنسية أو نموه النفسي الطبيعي، كيف تربي ذكراً سعيداً يعني في كثير من الأحيان أن تجاهد ضد نفسك ومفاهيمك حول تصوراتك عن شكل طفلك.

دعونا نتحدث عن تلك التحديات التي قد تقابلينها.

 

خشونة أم عنف؟

 

أول هذه التحديات هو الفرق بين الخشونة الذكورية والعنف المؤذي.

وقعت في فخ هذا التحدي وأنا أُقِيِّم طفلي، لأن مع كون طفلتي الأولى فتاة كوَّنت تصوراً عن شكل الطفل السوي الذي أجتهد طوال الوقت للوصول إليه: "طفل سوي وسعيد".

حاولت أن أجد معنى لكل السلوكيات الخشنة التي تصدر عادة عن الذكور، واهتممت جداً بسؤال الحضانة عن تقييمهم لطفلي، وهل يتسم سلوكه مع الأطفال الآخرين بالعنف أم لا.

لكن الحقيقة أن السلوك المتسم بالخشونة، وليس العنف المؤذي، أمر يَسِم الذكور، ومن سمات هذه الخشونة أنه قد يقفز عليك ويحتضنك بشدة، على عكس نعومة معظم البنات السلسة، أن يلعب بالألعاب ويكتشفها بشكل أعنف قليلاً من الإناث، ليس المقصود أنه يخرِّب الألعاب، ولكن طريقته لا تكون ناعمة.

قد يلعب الصبي بالدمية مثل أخته، لكن أخته ترضعها وتربت عليها، في حين لا يعاملها الصبي بهذا الحنو، ناهيك عن أن لعبه مع رفاقه من الذكور قد يبدو مزعجاً للكثيرين.

أتذكر صديقة كانت تحكي عن صعوبات تواجهها مع طفليها في البلد الأجنبي الذي انتقلت للإقامة به مؤخراً، فبينما تعاني الفتاة من صعوبات في التواصل مع أقرانها، حكت لي عن أن طفلها الاصغر والذي لم يبلغ الرابعة من عمره لا يعاني من أي صعوبات، وعندما سألتها عن شكل تفاعله مع أقرانه في الحضانة أخبرتني أنهم جميعاً يصرخون في وجوه بعضهم ويمسكون بديناصورات ويلعبون بها سوياً.

أطفال يلعبون
shutterstock

هذه هي خشونة الصبيان التي أقصدها والتي تبدو مزعجة جداً لي في الحقيقة، وأظل أذكر نفسي مراراً وتكراراً أن السماح بها لا يعني تنشئة طفل عنيف، وأنني لا أطمح لتربية ولد هادئ بالضرورة، ولكن ما يهمني أن يكون صبياً سعيداً متسقاً مع هويته.

 

الاستقلال

 

التحدي الثاني هو الاستقلالية عن الأم.

أتفهم جداً شعور الأمهات بالرغبة في أن يظل أطفالهن في أحضانهن، ونظرتهن لذلك على أنه المصدر الأهم للأمان. وعندما يرتبط الطفل بآخرين تشعر الأم بانزعاج حقيقي، وتراودهن الشكوك في أنهن قصرن في شيء فابتعد الأطفال عنهن.

في الحقيقة هذا طبيعي جداً وصحي للغاية؛ أن يبدأ الطفل في الانضمام إلى عالم الرجال، يحدث الأمر بسلاسة عندما يكون هناك أب متواجد وغير مؤذٍ ويقدم نموذجاً صحياً لكيفية الانضمام لعالم الرجال، وسوف يشعر الطفل بسبب ذلك.

وينبغي أن يصاحب ذلك تفهم من الأم، وعدم إشعار الطفل بالذنب لأنه بعيد عنها، ينبغي أن تترك له المساحة الآمنة التي تتيح له العودة والابتعاد، وأن تقدم له الحب غير المشروط في كل مرة.

المشكلة تحدث عند غياب النموذج الآمن، ويصبح التحدي عند الكثير من الأمهات ليس فقط استيعاب مشاعرها تجاه ابتعاد طفلها عنها، بل توفير نموذج ذكوري آمن.

في الحقيقة يجب البحث عن هذا النموذج وقبوله لأنه شرط أساسي في مساعدة الصبي على تكوين هوية جنسية ذكورية، وإصرار الأم على القيام بهذا الدور سيؤذيه أكثر.

من واقع عملى لسنوات طويلة في تقديم الدعم النفسي للسيدات المطلقات أعرف جيداً تجارب بعضهن في الحصول على نموذج ذكري آمن يمكنه أن يبحر مع الطفل ويعلمه كيف يكون ذكراً، وهذا في حالة اختيار الأب الاخنفاء أو كونه مؤذياً للطفل مما يمثل خطورة عليه، كأن يمارس الاعتداء الجنسي عليه أو يورطه في سلوكيات خطرة كتعاطي المخدرات أو مشاهدة الأفلام الإباحية.

 

للاطلاع على المزيد: عشرة أخطاء قد تقود طفلك إلى جحيم التحرش والاستغلال الجنسي

 

وجود نماذج ذكورية متغيرة لفترات كان حلاً منقذاً للكثير من السيدات، كأن يتعلق الطفل بكابتن الفريق الذي يلعب فيه أو مدرس المدرسة أو أحد أقاربه.

 

المشاركة المؤذية

 

التحدي الثالث هو المشاركة الوجدانية المؤذية عن عالم الذكور، كأن تشعر الأم برغبتها في الحكي لطفلها أو طفلتها مشاعرها السلبية عن التعامل مع الرجال المؤذية في حياتها تصوراً منها أن ذلك يحميهم من الوقوع في براثن الأذى، أو لتفهمهم كيف يمكن أن تشعر النساء بالأذى من جراء تصرفات الرجال السيئة.

لكن هذه المشاركات مؤذية جداً، ما زلت أذكر معاناة شاب جاء إلى العيادة شاكياً من صراعاته تجاه مشاركات أمه عن أبيه وعن الرجال الآخرين المؤذيين في حياتها كأبيها وخاله، وكيف أسهم ذلك في كرهه لعالم الرجال وشعوره بأنه ممتلئ بالأذى، وأن عالم السيدات آمن ورحيم وضعيف.

صبي خائف
shutterstock

ظل لسنوات كارهاً كل مظاهر ذكورته التي تقربه من هذا العالم المؤذي، ورغم أنه لم تكن لديه ميول جنسية أخرى، إلا أن هذا الكره أعاقه عن ممارسة حياته بشكل الطبيعي.

ليست المشاركات والحكي فقط بل رؤيته لعنف متكرر من رجال قريبين لنساء مهمين في حياته يجعله غاضباً باستمرار من هذا العالم.

 

المسؤولية

 

رابع هذه التحديات هو التأرجح بين الحماية المفرطة والعقاب على عدم تحمل المسؤولية مما يخلق أزمة حقيقية داخل الطفل، وهذا تحدٍ قائم مع الذكور والإناث.

خلال رحلة التربية نجد الأهالي يميلون إلى الإفراط في حماية الطفل وعدم فتح قنوات للتواصل الآمن مع العالم.

أذكر لوم بعض الصديقات لي من تركي لطفلتي التي تبلغ من العمر ست سنوات تنزل من سيارتنا بمفردها أمام المدرسة حاملة حقيبتها بنفسها، لتدخل إلى المدرسة.

البديل الذي يحثونني عليه أن أنزل من السيارة وأحمل حقيبتها وأسلمها إلى المشرفة.

في الحقيقة هذه هي السنة الثالثة لابنتي في المدرسة، وكانت المساعدة المفرطة مقبولة في السنة الأولى لها، لكن الآن يمكنني أن أمرر بعض المسؤوليات الآمنة، ودعوني أكرر كلمة الآمنة لأنها مهمة، حتى تتعلم كيف تتحمل مسؤولية نفسها.

تكرار الحماية المفرطة وتوقع نتائج مختلفة فيما يخص تحمل المسؤولية أمر غريب وغير واقعي.

 

الحضور الغائب

 

التحدي الخامس هو الحضور الغائب للنموذج الذكري، وصار أمراً منتشراً للغاية بين الرجال، بسبب ترك مسؤولية الأطفال للأمهات وتمحور مهمتهم الأساسية في توفير مصادر دخلي تلبي متطلبات العالم الجديد، وتوفر مصادر عيش مريحة وآمنة.

بالطبع سعي الرجل في عمله أمر مهم وينبغي احترامه، ولكن بجوار هذا الاجتهاد يجب أن يساند الصبي بينما يتعلم كيف يصبح صبياً.

أخبرتني صديقتي أنه عندما بلغ ابنها، رفض الأب التحدث مع ابنه في أمر البلوغ، وترك المسألة للأم بحجة أنها تجيد دائماً التصرف.

توجد مواقف يحتاج فيها الصبي إلى أبيه، يحتاج الصبي من الأب أن يشاركه لعب الخشن، لأن الأم مهما اجتهدت ستجد هذه الخشونة غريبة وغير مريحة، يحتاج أن يرى الأب وهو يحلق ذقنه وأن يشاركه اهتماماته، وأن يصطحبه إلى عالم الرجال.

قبل وصول سليم لم أكن أدرك كل ذلك، لم أدرك أن تربية الصبيان صعبة وممتلئة بالتحديات.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.