الجانب الاجتماعي لأسئلة طول القضيب

منذ بداية عملي في الحب ثقافة، استوقفني كم الأسئلة والاستفسارات حول طول القضيب التي نستقبلها يومياً على منصاتنا المختلفة. تمتلئ الأسئلة بمشاعر كثيرة نادراً ما تكون منطوقة. أقرأ ما تستبطنه صياغة السؤال: قلق، توتر، شعور بأنك غير كافي، خوف من الوحدة .. وغيرها الكثير.

تصلني عبر الشاشة مقاومة لاستقبال ردود مديري/ات النقاش الذين يستخدمون إحصائيات مبنية على أسس علمية وتشير لمتوسط طول القضيب، من أجل طمأنة السائلين الذين تقع قضبانهم جميعاً في نطاق المتوسط. دفعتنا هذه المقاومة لفتح نقاشات داخلية مراراً وتكراراً. توالت أسئلتنا حول أسباب هذه المقاومة..

في الحب ثقافة، نسعى دائماً لمعالجة الموضوعات التي نطرحها من منظور المتعة وليس من منظور تحجيم الضرر. فنتبنى تعريفاً للصحة الجنسية والإنجابية لا يرى الصحة باعتبارها مجرد الخلو من المرض، بل باعتبارها حالة من العافية الجسدية والعقلية والاجتماعية فيما يتعلق بالأعضاء التناسلية ووظائفها وعملياتها. بكلماتٍ أخرى، نحاول وضع السعادة والانبساط والمتعة كنقطة انطلاق لما ننتجه من محتوى وكنقطة وصول لما نطمح إلى تحقيقه بمحتوانا.

نوفر دائماً المعلومات العلمية الصحيحة على أمل المساهمة في الرد على إجابة أحدٍ ما قد تكون أرقته أسئلة من الصعب التفوه بها على الملأ. ولكن في بعض الأوقات لا تكون الأدلة العلمية والإحصاءات كافيةً للتخلص من أرق الأسئلة، خاصةً تلك التي تنبع من خوف من عدم تلبية الشخص لصورة معينة قد فُرِض عليه تلبيتها. ولذلك أتناول هنا موضوع طول القضيب من زاوية مختلفة، أحاول فيها أن أشركك عزيزي القارئ فيما أفكر فيه. ربما سأطرح أفكار وأسئلة غير مريحة، ولكن عدم الراحة يتخلل حياتنا دائماً في كل الأحوال، فـ مجاتش على دي 🙂


لماذا نمارس الجنس؟

سؤال صعب؟ أنا نفسي أخذت بعض الوقت للتفكير في إجابته أو بالأحرى إجاباته.. فلا ترتبك! وإن لم تأخذ بعض الوقت للتفكير، فأدعوك حينها للارتباك. حاول أن تتوقف لبضعة دقائق وأن تفكر في إجابتك على هذا السؤال. فكر أيضاً فيما قد تكون إجابات آخرين.


بالطبع، الإجابة المثالية على هذا السؤال هي “أمارس الجنس من أجل الاستمتاع والانبساط”، ولكنني أرغب في أخذ خطوة أبعد قليلاً: فالبعض قد يمارس الجنس من أجل الإنجاب، والبعض قد يمارسه من أجل الشعور بدفء. آخرون قد يمارسونه لأنه يلبي احتياج جسدي ولا يحملونه بالكثير من المشاعر، وغيرهم/ن يبحثون عن الحميمية والقرب والتواصل. هناك من يمارسه لأنه يرغب في إعطاء و/أو استقبال المتعة، وهناك من قد يوفر له الجنس تأكيداً بأنه/ا مرغوب فيه/ا .. هل لديك أفكار أخرى؟

الإجابات ستختلف من شخص لآخر، وسيجمع الشخص الواحد بين إجابات مختلفة، وأيضاً ستتنوع الإجابات على مدار حياة الشخص الواحد وقد تتنوع من موقف لآخر. إذا رغبت بمشاركة ما يدور ببالك حول الإجابات الممكنة لهذا السؤال، يمكنك تدوينها في التعليقات.


السؤال هنا: هل تشعر أن هناك تعارض بين دوافعك لممارسة الجنس وبين قدرتك على تحقيق الانبساط والمتعة؟

أعتقد أنه من المهم التفكير في معنى الكلمتين أولاً.

تأتي المتعة بمعنى التلذذ والنشوة. والنشوة هنا غير مقصود بها النشوة الجنسية التي عادةً ما تُستَخدَم كمرادف للرعشة الجنسية، ولكن المقصود بها تحقق شعور ما بالارتياح والسعادة الداخلية.



بالإضافة لما سبق، عادةً ما نتحدث عن الانبساط بمعنى اللهو والدعابة والفكاهة،  فقد يكون مرادفاً للمرح. ولكن من المهم التفكير فيه  أيضاً باعتبار أن انبساط شئٌ ما يعني تمدده. إذن فأن يكون الجنس انبساطاً يعني أنه مساحة، يتوسع فيها الشخص خارج نفسه كمركز هذه الممارسة، على المستوى العاطفي والجسدي، ليخلق مساحة جديدة من وجوده يستطيع أن يشاركه فيها طرف آخر.

ففي الممارسة الجنسية، لن يتحقق الانبساط بمعنى اللهو والدعابة والمرح بدون  تحققه كتمدد أطراف العلاقة للبعد عن أنفسهم الفردية كمركز هذه الممارسة الجنسية، بدون التخلي عن أنفسهم في نفس الوقت. فمن اللطيف أن التمدد لا يعني الخروج من النفس، بل إنه يعني توسع النفس. فأن تتوسع خارج نفسك لا يعني أن تتجاهل احتياجاتك وتصوراتك عن الاستمتاع في الممارسة الجنسية وتفضيلاتك الجنسية، ولكنه يعني أن تخلق مساحة من نفسك لمشاركتها مع آخر/ين. وأن تكون هذه المساحة مرحبة ومريحة لك ولمن تشارك نفسك معه/ا.

عندما ذكرني بحثي بهذا التعريف للانبساط، تذكرت حينها قلق من يطرحون علينا سؤال “طول القضيب” بتنويعاته المختلفة، خاصةً من يتصورون أنه إذا لم يكن القضيب شديد الطول فذلك يعني أن شريكاتهم لن يستمتعن بالممارسة الجنسية. قد يبدو للوهلة الأولى أن الشخص الخائف من عدم قدرته على تلبية احتياجات شريكته لأن قضيبه ليس شديد الطول، هو شخص “يفكر” في الآخر، ويحاول أن يضع احتياجات الآخر أمام عينيه، باعتباره ليس مركز هذه العلاقة. ولكن من أين يأتي تصور هذا الشخص عما يمتع الآخر؟ هل هو تصور نابع من استماع للشريكة وإقامة حوار صريح معها حول تفضيلاتهما الجنسية؟ هل هو تصور نابع من إطلاع على معلومات حول جسد الشريكة ومواطن الاستمتاع الموجودة فيه وكيفية إشباعها؟

نجيب على هذه الأسئلة بأنه وفقاً لدراسات فإن حوالي 75% من النساء لا يصلن للرعشة الجنسية من الإيلاج وحده، وبالتالي ينبغي عدم التركيز على طول القضيب باعتباره العامل الوحيد في الاستمتاع الجنسي. ونؤكد على حقائق مثبتة علمياً تفيد بأن النساء يستمتعن جنسياً بطرق مختلفة، لا تتضمن الإيلاج بالضرورة.

تُستَقبَل هذه الإجابات بعدم اقتناع السائلين، قد ينطوي رفض الإجابة على قلق من ألا يكونوا كافيين. فمنهم من يرى أن إجاباتنا دافعها تطييب خواطرهم، وأننا لا نشعر بمعاناتهم الحقيقية. 

السؤال المهم هنا، والذي أفكر فيه كثيراً، وأدعوك أنت أيضاً للتفكير فيه هو: من أين تأتي هذه المعاناة؟

لا أنفي أن الضغط الذي تتعرض له قد يتسبب في معاناة في أغلب الوقت، ولا أنفي أثر هذه المعاناة عليك. ولكن ما يشغلني كثيراً هو التفكير في منبع هذا الضغط.

أنا مثلاً لا أستطيع تجاهل أن هناك صورة مهيمنة للـ”رجل الأمثل” تحاول أن تلبيها وأن تتوافق معها. وأنه كلما بعدت عن الصفات المكونة لصورة الرجل الأمثل، تزداد معاناتك..


أتفهم أيضاً أن صورة الرجل الأمثل تلك تغطي كافة جوانب الحياة، فتعطيك تصور مفصل عما ينبغي أن تكونه في كل لحظة، فهي لا تقتصر فقط على دورك في الجنس أو على مستواك المادي أو على طريقة الحديث والملبس أو على كيف تتحرك في الشارع أو على كيف تتعامل مع النساء في محيطك أو على كيف تعبر عن مشاعرك، فإنها تصل حتى المشاعر المسموح لك بالشعور بها .. أو أو أو..

فإن هذه الصورة للـ “رجل المثالي” تجمع بين كل ما سبق وأكثر. وأدرك صعوبة أن يكون هناك نموذج ينبغي أن تقيس نفسك عليه دائماً، وأن تشعر دائماً أنك في سباق ما، ليس مع شخص تعرفه ويعرفك، بل مع تصور غير واقعي وغير إنساني عما ينبغي أن يكونه “الرجل المثالي”.


وهنا أود أن أطرح عليك سؤالاً آخر؛ في اعتقادك، كيف تتشكل هذه الصورة؟ وكيف يفيدك الإبقاء عليها؟

لديَّ تصور تشكل من خلال القراءة والبحث ومحادثات مع أصدقاء وغرباء. فلا تتشكل هذه الصورة الذهنية لديك كفرد من تلقاء نفسها، بل إنها ناتجة عن تصورات اجتماعية سائدة، يتم ترسيخها بشكل دائم من خلال عوامل كثيرة منها المنتجات الثقافية كالأفلام والمسلسلات وغيرها من الوسائط التي تشكل وعينا بذواتنا وبالآخرين، وبالمعايير التي يجب أن نلبيها جميعاً، رجالاً ونساءً.

تعطينا هذه التصورات الاجتماعية السائدة أنماطاً محددة ينبغي أن نخضع لها جميعاً. وترهن هذه التصورات الاجتماعية السائدة حجم المعاناة التي قد نتعرض لها بمدى تماشينا مع المعايير المُثلى المفروضة علينا للأنوثة والرجولة. لا يساهم ذلك فقط في تشكيل تصوراتنا عما ينبغي أن نكونه، ولكنه يتدخل أيضاً في شعورنا تجاه ما نحن عليه بالفعل. فيؤثر ذلك في تصوراتنا عن أنفسنا وإذا ما كنا نعتبر أنفسنا جميلون وجميلات، أو كافيين وكافيات لشركائنا الجنسيين.

فتمتد هذه الصورة لتشمل الجسد، وبما أننا نتحدث هنا عن الرجال وعن طول القضيب، فسأركز على علاقة هذه الصورة السائدة للرجولة المثالية بأجساد الرجال.

فأجساد الرجال بوجه عام والقضيب بوجه خاص هم تجسيد مادي للرجولة، فهم ليسوا سلوكاً اجتماعياً يمكن التحكم فيه، سواء من خلال تحكم الشخص في نفسه أو من خلال تحكم محيط الشخص به والسيطرة عليه. وبالتالي هم غير مرتبطين بشئ يمكن تغييره ليتلائم مع ما هو مفروض اجتماعياً. ولكن، وبالرغم من ذلك، فإنهم يقعون في المكونات التي تخلق تصوراتنا عن تعريف الرجولة المثالية.

ولذلك تُرسم صورة معينة للقضيب المثالي، وتُعتَبَر هذه الصورة المعيار الوحيد الذي يمكننا القياس عليه، وتهيمن في وعينا الجمعي باعتبارها صورة القضيب الأفضل. وإذا حاد قضيب أحدهم عن هذه الصورة المعيارية تصور أنه “غير كافياً”. وعدم الكفاية هنا لا يرتبط بإذا ما كان شريك/ة هذا الشخص ي/تستمتع بالممارسة الجنسية، بل إنها ترتبط بمدى تلبية قضيب الشخص لمعايير القضيب المثالي.


تستديم هذه الصورة للقضيب المعياري نفسها من خلال كونها غير واقعية، ولا يتمتع بها غير أقلية من الرجال. فلماذا قد ينشغل الغالبية بعدم كفاية طول قضبانهم لو كانت قضبانهم بهذا الطول بالفعل؟ وبناءً على ذلك يقع الكثير من الرجال تحت ضغط ضرورة التطابق مع هذه الصورة المعيارية للقضيب. وإذا لم يتطابقوا معها يشعرون بأن بهم خطب ما، فيتسبب ذلك في توترهم الدائم حول صورة أجسادهم ومدى كفاءتهم الجنسية.



وهنا سأستدعي شقي الانبساط اللذان تحدثتُ عنهم من قبل؛

فكيف لك أن تحقق الانبساط بمعنى اللهو والمرح إذا كنت دائم الانشغال بضرورة تطابقك مع صورة غير واقعية للقضيب؟ وكيف لك أن تخلق مساحة من الانبساط تتمدد فيها خارج نفسك، كمركز الممارسات الجنسية التي تنخرط فيها، إذا كان كل ما يشغلك هو عدم تمتعك بقضيب أطول من المتوسط؟

كيف يمكنك أن تتلذذ بممارسة جنسية وأنت تركز على فعل واحد (الإيلاج) وعلى جسد واحد (جسدك) وعلى معيار واحد للممارسة الجنسية المشبعة لطرفيها (القضيب الطويل)؟



في رأيي إن التمركز الشديد حول طول القضيب قد يحد من قدرتك على اكتشاف إمكانيات المتعة الكامنة بجسدك وجسد الشريك/ة، بل في بعض الأحيان قد يعيقك عن تحقيق الاستمتاع بسبب التوتر والقلق المحيطين بعدم تلبيتك لصورة معينة، هي في الحقيقة صورة غير واقعية. أعلم أن التخلص من أثر هذه الصورة ليس بالشئ اليسير، حيثُ كما ذكرت، هي نتيجة للكثير من العوامل الاجتماعية، التي قد لا تمتلك القدرة على التحكم فيها. ولكن هذا لا ينفي أن هناك ما يُمكنك القيام به. ويمكنك البدء بطرح هذه الأسئلة على نفسك ..

ما هي العوامل التي -إذا تحققت- قد تساعدك على تحقيق الانبساط والمتعة؟ (أمثلة: الشعور بالأمان، الثقة في النفس، الشعور بأنك قادر على أن تشبع رغبات الشريك/ة، الثقة في الآخر، الشعور بالأريحية، القبول من الطرف الآخر … إلخ)

ما هي التصورات التي تتبناها والتي قد تعيقك عن تحقيق هذه العوامل؟

من أين تأتي هذه التصورات؟ كيف يفيدك التمسك بها؟ 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

آخر التعليقات (1)

الحب ثقافة

‏الحب ثقافة منصة للنقاش البنّاء حول أمور الحب والعلاقات والجنس والزواج.