التقدم للزواج
Shutterstock

الجنس والجسد: سلع تباع وتشترى في إطار الزواج

تضع مجتمعاتنا التقليدية شروطاً عديدة للزواج، وكثيراً ما يتصور الشريكان أن هذه الشروط تعبِّر عن صفقة، تتمثل في أن ينفق الرجل المال، مقابل أن يتلقى الجنس من المرأة.

طالما استرعى انتباهي تعليق متكرر على منصاتنا، عندما نتحدث عن ضرورة مراعاة جاهزية الطرفين وخاصة العروس عند ممارسة الجنس للمرة الأولى بعد الزفاف، وأنها ليست "مهمة" يجب إتمامها في الليلة الأولى. كان التعليق الصادم لي ولزملائي هو "استني؟! أمال أنا دافع كل ده ليه؟"

صديقة لي طرحت سؤالاً استنكارياً عبر حسابها على تويتر: " لماذا يسعى بعض الرجال الرافضين لأن تكون للمرأة تجارب جنسية قبل الزواج، لإقامة علاقات جنسية مع من يعرفونهم من إناث بدون زواج؟" مشيرة إلى كون الفكرتين متناقضتين.

أشارت بعض الردود إلى ازدواجية المعايير، بينما ركز البعض الآخر على فكرة "ليه أدفع فيها فلوس وهي ببلاش؟" أو لمبدأ "هاكل كل الحلويات المكشوفة ما دام ببلاش، بس لو هشتريها يبقى هختار المغلفة" في تشبيه مهين للعذرية بالغلاف.

لماذا يعتقد أصحاب هذه الفكرة أن كل ما ينفقونه من أموال هو ثمن للحصول على الجنس في أي وقت يرغبون، وبدون شروط أو أي أحقية للطرف الآخر في الامتناع أو الرفض لأي سبب؟ أو الفوز بالحقوق الحصرية للممارسة الأولى؟ هل هم حقاً يشترون الجنس مغلفاً بإطار الزواج؟

يُفترض أن الجنس هو جزء واحد من الزواج، الذي يعتبر علاقة أشمل وأعم لها أجزاء أخرى مثل الاستمتاع بوجود شريك داعم ومتفهم وبناء حياة مشتركة يكون للطرفين فيها حقوق وواجبات متساوية أو متوازنة.

 

من أين تأتي هذه الفكرة الشائعة: أن الرجل يتكبد تكاليف الزواج مقابل الجنس؟

 

تاريخياً، قامت فكرة الزواج أصلاً على أساس المصالح المشتركة، كزيادة الثروة أو الحفاظ على إرث العائلات أو إنهاء الصراعات أو غيرها، ثم ظهرت لاحقاً فكرة أن الحب أو التوافق العاطفي والتفاهم بين الشريكين هي الأسباب الحقيقية للزواج.

نجحت المجتمعات الغربية المتقدمة خلال القرن الماضي في تطوير نظرتها إلى علاقة الزواج من كونها علاقة تأخذ شكل الصفقة للحصول على مكاسب، إلى كونها علاقة شراكة.

مفهوم الشراكة السائد حالياً في المجتمعات الغربية يوضح سبب اختلاف تقاليد الزواج بينها وبين المجتمعات العربية. في الغرب، لا يكون للأهل أي دور في تحديد تكاليف الزواج أو متطلباته أو شكل منزل الزوجية أو غيره.

مقبلان على الزواج
shutterstock

هناك، نجد الشريكين يبحثان سوياً عن سكن ملائم لهما ولقدرتهما المادية ويؤسسانه سوياً ويقرران ما إذا كانا سيقيمان حفلاً للزفاف أم لا، دون أن يكون من المقرر أن يتحمل أي منهما نصيب الأسد من تكاليف الزواج.

نظرة سريعة على تقاليد الزواج في المجتمع المصري والمجتمعات العربية عامة، قد تجيب جزئياً عن هذا السؤال. على الرغم من أن الكثير من الزيجات تتضمن حالياً توزيع تكاليف الزواج والزفاف على الطرفين، إلا أن نصيب الأسد يظل يتحمله الرجل.

في أغلب الأحيان أيضاً لا تكون العروس هي المخولة بتحديد متطلبات زواجها أو لديها أي سلطة لذلك، إذ يتولى الأهل تحديد المتطلبات المادية للزواج "بحذافيرها" بما في ذلك الشبكة والمسكن والأثاث والعُرس والمقدم والمؤخر وأثمان كل ذلك ومواصفاته.

الولاية والتركيز على تحديد المتطلبات المادية بما يتناسب مع تقييم الأهل للمعايير المادية "للحصول" على الابنة كزوجة، يضع العروس في خانة "السلعة" المملوكة للغير والتي، كرجل، قد تمتلك المال لدفع الثمن المقرر للحصول عليها أو لا، كما يجردها، دون قصد، من سيادتها على نفسها وجسدها في حياتها المستقبلية معه.

نفس التقاليد الاجتماعية تقضي بكون المتطلبات المادية ترتفع في حالة الحصول على فتاة "بكر" كزوجة، مقارنة بالمطلقة أو الأرملة، في إشارة ضمنية مهينة إلى كون الأخيرتين فقدتا ميزة "الحقوق الحصرية للمرة الأولى" فانخفض سعرهما في سوق الزواج.

ليس من المستغرب إذن أن يطالب الزوج بالحصول على "الحق الحصري للممارسة الأولى" عقب الزواج بغض النظر عن جاهزية الزوجة أو رغبتها، فقد دفع ثمن "السلعة" كاملاً وجاء الآن وقت الحصول عليها!

هل الرجل هو المُلام الوحيد على تسليع المرأة في إطار الزواج؟

بالطبع لا! فبعض النساء أيضاً يسهمن بشكل مباشر أو غير مباشر في ترسيخ نفس الفكرة.

تتفنن الكثيرات من النساء والفتيات في المغالاة أيضاً في المتطلبات المادية للزواج لهن أو بناتهن من منطلق "التعزيز"، أو بمعنى آخر يرسخن لمفهوم أنه كلما ارتفعت القيمة المادية المطلوبة للزواج من الفتاة وضعها ذلك في مرتبة أعلى، وضاعف الشعور بالفوز عند الحصول عليها.

الزفاف
shutterstock

 

لا يتوقف الأمر عند متطلبات الزواج وإنما يستمر كذلك عقب الزواج. تستخدم الكثير من الزوجات الجنس للحصول على متطلبات مادية، قد تتراوح ما بين متطلبات الحياة الأساسية ومكاسب مادية أكبر، فيمتنعن عن ممارسة الجنس عند عدم الاستجابة لطلباتهن، كوسيلة للضغط، ثم تمنحه كمكافأة عند تنفيذها والاستجابة لها.

النظرة العادلة لذلك لا ينبغي أن تغفل بالطبع الإطار الاجتماعي الأكبر الذي تنتج عنه هذه الآليات في العلاقات الزوجية، في مجتمع ذكوري يحرم المرأة من الكثير من حقوقها الإنسانية، ولا يسمح لها بالاستقلالية الكاملة في أغلب الأحيان.

يندرج تحت ذلك تقييد حرية الحركة والعمل والاستقلال المادي والاجتماعي وغيرها من الحقوق الإنسانية، التي تؤدي إلى الاعتمادية الطوعية أو غير الطوعية، وفقدان القدرة على إعالة الذات ويلخص الشعور بالأمان في المكتسبات المادية. في إطار ذلك، يصبح الجسد والجنس هو العملة الوحيدة التي يمكن استخدامها.

لا ينفي ذلك أن استخدام الجنس كورقة للضغط في إطار الزواج يرسخ لتسليع المرأة في نظر رجل الشارع، وهو ما يتجلى عند طرح فكرة أحقية المرأة أيضاً في اختيار الوقت الملائم لها لممارسة الجنس والامتناع عنه أحياناً بسبب عدم الجاهزية أو غيرها.

هنا، تكون ردة فعل هذا الرجل إزاء هذه الفكرة أن من حقه هو أيضاً الامتناع عن الإنفاق عليها، إن لم تستجب لدعوته الجنسية في أي وقت! فالجنس هو المقابل الذي يحصل عليه أمام المال الذي ينفقه عليها، من وجهة نظره.

تبدو العلاقة بين الجنس والمال في إطار الزواج كحلقة مغلقة من الصعب معرفة من أين بدأت وكيف تنتهي، ولكن من المؤكد أن كل الأطراف تلعب دوراً بها، ولا يمكن تغيير آلياتها إلا بتغير كبير في التفكير الاجتماعي والثورة على التقاليد الاجتماعية للزواج وقهر النساء وتسليعهن.

هل يتحقق ذلك؟ ربما، ولكنه بالتأكيد يحتاج لجهود مستميتة من المؤمنين بجدواه وسنوات طويلة من النضال الحقوقي والتوعوي والنسوي.

هل تشعر/ين أن الزواج في مجتمعنا يتحول إلى صفقة، أم أن الأمر تغير في السنوات الأخيرة؟ أخبرونا عن رأيكم

 

اقرأ/ي المزيد: ما الذي يجعل هذا الزواج ناجحاً؟

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments

اكيد الزواج اصبح سلعه في مجتمعاتنا للاسف وحتي النساء تتربي منذ الصغر ع ذكلك وهذا احد الاسباب الرئيسيه لنفوري من فكرة الزواج في مجتمعاتنا من الاساس

إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.