الاضطراب ثنائي القطب
Shutterstock

تحديات العلاقة مع شريك/ة متعايش/ة مع اضطراب ثنائي القطب

إذا كنت في علاقة مع شريك/ة يعاني من اضطراب ثنائي القطب، ينبغي أن تعرف/ي أن علاقتكما ستُقابَل بالعديد من التحديات، ولكن بتوعية نفسك وشريكك يمكن أن تتجاوزا هذه التحديات بسلام.

"أمُرّ بنوبات هوس، هذا كان يجعلني أضايق زوجتي أحياناً، قد أمزح معها إلى درجة التفوه بالشتائم، أحياناً تتقبل ذلك، وأحياناً تعبر بلطف عن ضيقها".

يعاني مصطفى من اضطراب ثنائي القطب، وفي هذا الاضطراب لا تسود هذه الحالة من الهوس على الدوام.

"حين كنت أمر بنوبة الاكتئاب كنت أنزعج حين تطلب مني زوجتي الخروج، قد يصل هذا الانزعاج إلى حد الغضب الذي أكتمه في نفسي ولا أعبر عنه".

ولكن الأمور لم تستمر دوماً بهذه الطريقة، إذ صارح مصطفى زوجته بحالته، بعد تشخيص الطبيب. جعلها هذا تتفهم طبيعة تصرفاته في نوبات هوسه، وفي المقابل جعله ذلك يسعى للتعاون معها لإنجاح العلاقة: "صرت أقبل دعواتها للخروج حتى أساعد نفسي لتجاوز الاكتئاب، ولم أعد أنتظر أن تطلب مني المشاركة في الواجبات المنزلية، ولكني أبادر بذلك بنفسي".

المزاج هو الحالة الشعورية السائدة للفرد والتي تؤثر على سلوكه واستقباله للعالم المحيط.

ويُعبَّر عن المزاج بطيف واسع من التغيرات، من المزاج السوداوي إلى المزاج العالي.

ومن الطبيعي أن نختبر في حياتنا اليومية تغيرات في المزاج أو الحالة الشعورية.

عندما يحدث لنا أمر سيء، مثل عدم التوفيق في أحد الامتحانات أو سماع خبر وفاة شخص عزيز، من الطبيعي أن نشعر بالحزن لفترة من الوقت ثم نعود إلى مزاجنا المعتدل.

وعندما نتلقى خبراً سعيداً، مثل الفوز بجائزة ما أو الحصول على ترقية، من الطبيعي أن نشعر بالفرح وعلو المزاج لفترة، وأيضاً نعود بعدها إلى مزاجنا المعتدل.

لكن قد تحدث تغيرات مرضية في المزاج، كاستمرار المزاج السيء أو المزاج العالي لفترات طويلة، مما يؤثر على سلوك الفرد وأفكاره وحياته المهنية والدراسية والاجتماعية.

تعتبر اضطرابات المزاج من أكثر وأهم الاضطرابات دراسةً في الطب النفسي، وتنقسم إلى اضطراب الاكتئاب والاضطراب الثنائي القطب (بايبولار) وبعض الاضطرابات الأخرى.

تحدثنا في مقال سابق عن اضطراب الاكتئاب، وسنتطرق في السطور التالية إلى الاضطراب ثنائي القطب Bipolar disorder، والتحديات المصاحبة له، وخاصةً تأثيره على العلاقات والحياة الجنسية.

الاضطراب الوجداني ثنائي القطب أو ما يطلق عليه البايبولار هو اضطراب نفسي يتميز بالتغير الحاد والشديد في المزاج. الأشخاص المتعايشون مع هذا الاضطراب يمرون بنوبات من الهوس mania أو تحت الهوس hypomania (مزاج عالٍ أو عصبي، طاقة كبيرة ونشاط زائد، أفكار غزيرة متطايرة وكلام كثير، قد يصاحبه وجود ضلالات أو هلاوس أو سلوكيات اندفاعية) ونوبات من الاكتئاب.

غالباً ما يوجد تاريخ عائلي للمرض النفسي لدى الشخص المصاب، بجانب الأسباب السيكولوجية والاجتماعية.

 

نوعان من الاضطراب الوجداني ثنائي القطب

 

يوجد نوعان أساسيان من الاضطراب الوجداني ثنائي القطب:  

 

النوع الأول

 

يتسم بوجود نوبات الهوس، ومن ضمن أعراضها وجود الهلاوس والضلالات، والسلوك الاندفاعي الخطير.

وعندما يتعرض المريض/ة لنوبة الهوس، تكون لديه طاقة كبيرة لفعل الأشياء، وينام قليلاً، ويكون متحمساً إلى درجة الانخراط في أعمال خطيرة دون النظر للعواقب.

قد ينفق أموالاً طائلة، أو يتناول كميات كبيرة من المواد المخدرة، أو يمارس الجنس بكثرة إلى درجة التورط في علاقات خارج إطار الارتباط.

في هذه الحالة، غالباً ما يحتاج المريض لدخول المستشفى لتجنب الخطر.

اضطراب ثنائي القطب
shutterstock

النوع الثاني

 

يمر الأشخاص المتعايشون مع هذا النوع بنوبات تحت هوسية، وهي أقل حدة من نوبات الهوس.

تكون سلوكيات المريض/ة غير مألوفة لمن يعرفه/ا ولكنها ليس خطيرة. تظهر على المريض/ة علامات الطاقة والنشاط الزائدين، كثرة وسرعة الكلام، قلة الرغبة في النوم، زيادة الرغبة الجنسية وزيادة في عدد مرات ممارسة الجنس.

 

ماذا لو كان شريكك متعايشاً/ة مع الاضطراب الوجداني ثنائي القطب

 

الاضطراب الوجداني ثنائي القطب يؤثر على حياة المصابين به، وبالطبع يؤثر على حياة من حوله، لذلك إذا كنت شريكاً أو شريكة لشخص يعاني من هذا الاضطراب عليك أن تكون واعياً/ة بأعراضه، وواعياً/ة بالتحديات التي ستواجهك في العلاقة، ولكن من المهم أيضاً معرفة أنه بإمكانك العمل بصحبة الشريك/ة والحصول على علاقة عاطفية صحية.

نستعرض في النقاط التالية بعض التحديات التي يمكن أن تقابلها:

 

التواصل:

أثناء نوبات الهوس، يكون الكلام كثيراً وغزيراً، وتكون الأفكار متسارعة ومتطايرة، ويكون النشاط زائداً، ويكون لدى الشخص ثقة كبيرة في نفسه قد تصل إلى درجة ضلالات العظمة.

وأثناء نوبات الاكتئاب يكون المريض/ة قليل/ة الكلام، منعزلاً/ة، ليس لديه/ا الرغبة في فعل شيء أو لا يستمتع بشيء.

كل ما سبق يجعل التواصل بين الطرفين صعباً للغاية.

 

الحميمية:

أثناء نوبات الهوس، تكون هناك رغبة زائدة في ممارسة الجنس وتجريب أشكال غير مألوفة من الممارسات الجنسية، وقد يصاحب ذلك الاستمناء المفرط أو مشاهدة الإباحية بكثرة.

هذا يجعل الطرف الآخر مرتبكاً، وفي الأغلب لا يكون لديه/ا نفس درجة الرغبة الجنسية، مما يسبب بعض التوتر، ومن الممكن أن تظهر بعض السلوكيات العنيفة لدي المريض/ة.

وقد تظهر سلوكيات اندفاعية وخطرة مثل ممارسة الجنس غير الآمن أو الانخراط في ممارسات جنسية خارج إطار الارتباط، مما يتسبب في ظهور مشاكل في العلاقة.

أما أثناء نوبات الاكتئاب فتقل الرغبة الجنسية وتكاد تنعدم وقد يستقبل الطرف الآخر ذلك على أنه رفض له/ا.

 

العمل:

التغير الحاد والعنيف في المزاج وما يصاحبه من أعراض، مثل السلوكيات الاندفاعية أو اضطراب الحكم الجيد على الأمور، قد يؤدي إلى صعوبات فى إتقان العمل، أو عدم إنهائه في المواعيد المحددة، وقد يؤدي ذلك إلى عدم الانتظام في العمل أو عدم الحفاظ على العلاقة المهنية مع الزملاء.

بايبولار
shutterstock

وفي الحالات الشديدة قد يفقد المريض وظيفته مما يضع الكثير من العبء المادي على الشريك/ة.

كما أن الضغوط التي قد يمر بها المريض/ة قد تحفز الانتكاسة.

وجدير بالذكر أن بعض المرضى يكون لديهم أفكار مبتكرة ومبدعة، ويستطيعون إنجاز الكثير من المهام أثناء نوبة الهوس.

 

الإنجاب وتربية الأطفال:

 

قرار الإنجاب بالنسبة للمرأة يحمل الكثير من التحديات والضغوط، وقد تؤدي هذه الضغوط إلى حدوث انتكاسة في حالة اضطراب ثنائي القطب.

وقد تؤثر الأدوية التي تتناولها المرأة للعلاج على مرحلة تكوين الجنين.

لذلك في حالة اتخاذ قرار الإنجاب، ينبغي المراجعة والمتابعة مع الطبيب/ة النفسي/ة لاختيار الأدوية الأكثر أماناً للمرأة (لتجنب الانتكاسة) وللجنين (لتجنب التشوهات الخلقية).

أما مرحلة تربية الأطفال فهي تحدٍ آخر بالنسبة للآباء أو الأمهات المتعايشين مع الاضطراب، لأن السلوكيات والتغيرات المزاجية قد تكون مخيفة وغير مفهومة للأطفال.

في حالة إصابتك أو شريكك بالاضطراب، من الضروري الحرص على تثقيف نفسك عن تربية الأطفال، وأيضاً مراجعة الطبيب/ة لنصحك عن طرق التعامل المناسبة، مع وضع حالتك أو حالة شريكك في الاعتبار.

 

 

كيف نعالج الاضطراب؟

تعتبر أول وأهم خطوة في العلاج هي الذهاب للطبيب/ة النفسي/ة لأخذ تاريخ مرضي مفصل لبداية الأعراض وماهية الأعراض ووقت وعدد النوبات سواء كانت هوسية أو تحت هوسية أو نوبات اكتئاب، وتقييم مدى الخطورة ومعرفة وجود تاريخ عائلي من عدمه. ثم يضع الطبيب/ة الخطة العلاجية المناسبة للحالة.

قد يكون تشخيص بعض الحالات صعباً، نظراً لوجود نوعين مختلفين من الاضطراب ثنائي القطب، أو لوجود أعراض لاضطرابات نفسية أخرى عند المريض/ة، ولذلك قد يحتاج الأمر أكثر من زيارة للطبيب/ة لاكتمال التقييم ووضع الخطة العلاجية.

خطة العلاج غالباً ما تشمل العلاج الدوائي وجلسات العلاج النفسي التدعيمي، وتعلم مهارات التعامل والتأقلم مع الظروف الضاغطة بشكل صحي، ومعرفة الأعراض المنذرة بحدوث انتكاسة، وضرورة انتظام النوم. أما إذا كانت تصرفات المريض/ة تشكل خطورة على نفسه أو على من حوله، فمن الضروري دخول المستشفى.

وعلى الطبيب/ة والمريض/ة أن يكونا واعيين بوجود بعض الصعوبات التي قد تؤدي إلى عدم الالتزام بالدواء وحدوث الانتكاسات مثل:

نوعان من البايبولار
shutterstock
  • الكثير من مرضى اضطراب ثنائي القطب يعتقدون أن حالات الهوس جيدة، وخلالها يكون لديهم قدرة أكبر على الإنتاج والإبداع، وقد يتوقفون عن تناول الدواء لاختبار هذه الحالة.
  • البعض يكون لديه عدم استبصار بالمرض ويمتنع عن تناول الدواء.
  • البعض يكون لديه ضلالات عظمة أو اضطهاد يمتنع بسببها عن تناول الدواء.
  • التشخيص الخاطئ أو جرعات الدواء غير الكافية.
  • الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية.
  • المعلومات الخاطئة والخرافات المنتشرة عن الأدوية النفسية.
  • عدم وجود دائرة دعم لدى المريض/ة.
  • خلل في العلاقة العلاجية بين المريض/ة والطبيب/ة.
  • تعتبر قلة النوم أحد المحفزات الأساسية لحدوث الانتكاسة لدى مرضى الاضطراب ثنائي القطب.

 

ما الذي يمكنني فعله؟

لا يستطيع أي أحد تشخيص نفسه/ا أو تشخيص شريكه أو شريكته بهذا الاضطراب، لأن التشخيص يعتمد على أخذ تاريخ مرضي مفصل وفحص للحالة العقلية كما ذكرنا من قبل، وذلك لا يتم إلا عن طريق طبيب/ة نفسي/ة متخصص/ة. ولا يمكن الحكم على أي تغير في المزاج بأنه بايبولار.

لذلك لا تتعجل/ي اعتبار نفسك أو شريكك/ة مريضاً باضطراب ثنائي القطب بدون تشخيص طبي.

ولكن كيف أساعد نفسي إذا كنت مصاباً بهذا المرض، وكيف أساعد الشريك/ة إذا كان يعاني منه؟

 

بالنسبة للمرضى:

  • في البداية أنصحك بتجنب سؤال (لماذا يحدث ذلك لي؟) واستبداله بسؤال (كيف سأتعامل مع ذلك؟)
  • إخبار الشريك/ة بالتشخيص في وقت مبكر في العلاقة وتفهم أن الشريك/ة قد لا يكون على دراية كبيرة به.
  • إخبار الشريك/ة بالتغيرات المتوقعة في المزاج وكيف تتعامل/ين معها.
  • مشاركة خطة العلاج مع الشريك/ة، والالتزام بالخطة والمتابعة المستمرة مع الطبيب/ة.
  • الانضمام لمجموعات الدعم الخاصة بمرضى الاضطراب ثنائي القطب.
  • ممارسة الرياضة وتناول طعام صحي متوازن والحرص على النوم عدد ساعات كافية في مواعيد منتظمة.
  • إخبار الشريك/ة عندما يحدث تغير في المزاج وتوعيته بالطريقة الصحية للتعامل مع ذلك.
  • إخبار الشريك/ة بالأعراض الأولية التي قد تنذر بحدوث انتكاسة، لكي يتمكن من التقاطها ويستطيع مساعدتك في التخفيف من حدتها.
  • الاستماع إلى الشريك/ة بتقبل وتفهم، وتجنب الأسلوب الدفاعي، في بعض الأحيان لا يستطيع المريض/ة تمييز التغيرات المرضية التي يمر بها.
كيف نعالج البايبولار
shutterstock

بالنسبة للشريك/ة:

التواجد في علاقة مع شريك/ة متعايش/ة مع الاضطراب ثنائي القطب قد يصاحبه الكثير من مشاعر الغضب والإحباط والحزن. ولكن يمكن التقليل من حدة هذه المشاعر والتعامل معها باتباع النصائح التالية:

  • معرفة طبيعة الاضطراب وأعراضه ومآله من مصادر علمية موثوقة ومن الطبيب/ة المعالج/ة للشريك/ة.
  • التعرف على الأحداث والمشاعر الضاغطة التي قد تؤدي إلى حدوث انتكاسة، وبالتالي يمكن تقديم الدعم اللازم في هذه الأوقات.
  • معرفة الأعراض الأولية التي تنذر باحتمالية حدوث انتكاسة مثل قلة النوم وعدم الانتظام في العلاج.
  • الاشتراك في الخطة العلاجية بالذهاب مع الشريك/ة إلى الطبيب/ة مرات عديدة، والتحدث إلى الطبيب/ة عن وضع حالة الشريك/ة وتطورها.
  • التعبير عن مشاعرك باستمرار والحرص على التواصل الدائم.
  • الحرص على ألا تكون/ي أنت مصدر الدعم الوحيد للمريض/ة.

 

ولا تتجاهل/ي وسط ذلك الاعتناء بنفسك، من خلال:

 

  • وجود أصدقاء داعمين يمكنك التحدث معهم عن أي صعوبات، والتعبير عن مشاعرك بصراحة.
  • ممارسة الهواية المفضلة لديك.
  • ممارسة الرياضة بانتظام.
  • المتابعة مع معالج/ة نفسي/ة وحضور مجموعات الدعم إذا كنت بحاجة إلى ذلك.
  • يمكنكما الذهاب إلى معالج/ة متخصص/ة في العلاج الثنائي/الزواجي إذا لزم الأمر.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.