أستطيع تغييره/ا.. الرغبة غير الصحية في إصلاح الآخرين

نرى في حياتنا علاقات يعتقد أحد طرفيها أنه/ا المخلِّص/ة، أو القادر على إصلاح الشريك/ة، ولكن هذه العلاقة تواجه العديد من المشكلات.

هل صادف أن دخل رجل حياتك وطلب منك تغيير شيء ما فيها؟ اعترض على أسلوب اختيار ملابسك مثلاً أو الطريقة التي تتعاملين بها مع زملائك في العمل؟ هل صادفت في دائرة معارفك فتاة تصر على الارتباط بشخص يعاني من العديد من المشاكل، وتشعر أنها تستطيع تغييره ليكون شخصاً أفضل؟

أذكر صديقة لي حكت عن إعجابها بزميلها في العمل، يعملان معاً منذ سنتين وتشعر بحبه لها، لكنها تخشى الدخول في تلك العلاقة لأنه صارحها بأنه مدمن على تناول الكحوليات.

تقول لي إنها تحبه ولكن لا تعرف هل ستستطيع مساعدته على الإقلاع أم لا. أقول لها إن هذا قرارها ولكني لو مررت في نفس الظروف، لن أقبل بذلك.

رأيت مثل تلك الرغبات كثيراً من حولي، شخص يحاول إصلاح شريكه أو الشخص الذي يسعى إلى الارتباط به. اشتهر ذلك بشكل أكبر مع فتيات أو نساء يسعين لتغيير الرجال الذين يرتبطن بهم، وشاع مصطلح I can fix him، أي “يمكنني إصلاحه”، وتشعر هؤلاء الفتيات بقدرتهن على التغيير.

لماذا يميل البعض إلى إصلاح الآخرين؟

يعرض علينا بعض الأصدقاء أو الشركاء حلولاً للمشاكل التي نتحدث عنها، حتى لو كان غرضنا من الحكي مجرد المشاركة لا تلقي النصائح، لكن سرعان ما يلجأ بعضهم إلى عرض الحلول ومحاولة إصلاح الضرر.

نصادف جميعاً هؤلاء الناس الذين يحاولون “إصلاح الآخرين“، وقد يكون ذلك نابعاً من رغبة حقيقة في المساعدة، ولكنه قد ينبع أيضاً من شخصيات متطفلة أو حتى أنانية، فقد يكون لدى هؤلاء الأشخاص العديد من نقاط الضعف التي يحاولون إصلاحها، ولكن عند الآخرين.

بالإضافة إلى ذلك، يعتقد البعض أن تقديم المساعدة يخلق ديناً أخلاقياً يمكنهم طلب سداده لاحقاً.

ولكن مع ذلك يظل هناك منفذ صحي للرغبة في إصلاح الآخرين، فربما هذه الرغبة هي ما تجعل الناس يعملون أخصائيين اجتماعيين ومعالجين نفسيين.

متلازمة “أنا أستطيع تغييره”

تُعرف متلازمة “أنا أستطيع تغييره” أو عقدة “المُخلِّص/ة” بأنها رغبة الشخص في إصلاح الآخر سواء كان ذلك بين الأصدقاء أو الشركاء العاطفيين، وقد يكون الشخص الذي لديه تلك الرغبة ذكراً أو أنثى أو جنساً ثالثاً، ولكن ذاع صيت تلك الرغبة بالإشارة لتغيير الذكور.

محاولة تقديم المساعدة للمحيطين مسألة محببة، وقد تنبع عن نية طيبة، بالطبع الأفضل أن تجري حين يصرِّح الشخص بحاجته إلى المساعدة، هنا تتحقق الرغبة بشكل صحي ودون أي سلوك تطفلي.

ولكن قد تكون هذه الرغبة غير صحية، ونراها كثيراً في العلاقات، حين يُنظر للشريك على أنه شخص يحتاج إلى الإصلاح.

إحدى مشكلات العلاقة في هذا الأمر أن يكون الشريك غير راغب في هذا الإصلاح، وحين تقوم علاقة على رغبة شخص واحد في تغيير الآخر، لا يمكن أن نتوقع نجاحاً كبيراً لهذه العلاقة.

من أشهر أمثلة هذه الرغبة في المجتمعات العربية، حالة الرجل الذي يريد تغيير الكثير في أسلوب حياة شريكته المستقبلية، إذ يطلب الرجل من المرأة أن تغير طريقة ملابسها ومظهرها الخارجي بشكل عام، أو يطلب تحجيم علاقاتها بزملائها وأصدقائها من الذكور، أو يصل الأمر إلى طلب قطع التواصل معهم تماماً.

عادة لا يزعم الرجل أن يفعل ذلك بدافع التسلط، وإنما من منطلق الحب والغيرة.

وهكذا ينطبق الأمر على النساء، إذ يشعرن بالثقة بأنهن يستطعن تغيير الشخص الذي سيرتبطن به، وأن الحب والرعاية التي ستضفيهما عليه كافيان لتغييره حتى لو لم تكن لديه الرغبة التغيير.

يحدث أن يكون الأشخاص الذين يحاولون إصلاح الآخرين قد تعرضوا إلى إيذاء شديد في الطفولة، بحيث تكون الرغبة في الإصلاح نابعة من الإحساس بالمظلومية والتعرض للضرر، قد ينتج عن تلك الإساءة تدمير احترام النفس بسبب الشعور بالرفض المستمر من قبل الآباء، وقد يكون ذلك بسبب التعرض للاعتداء الجسدي والعاطفي.

في كثير من الحالات يلقي الأطفال اللوم على أنفسهم عندما يتعرضون لسوء المعاملة من المحيطين بسبب ارتكاب خطأ، وفي مرحلة البلوغ قد تشعر الطفلة بأنها أقل من المحيطين وبالتالي فهي بحاجة إلى الإصلاح، وقد ينتقل ذلك إلى شعوره/ا بأن أصدقاءها بحاجة إلى الإصلاح، وأنها تستحق الحب لأنها تسعى إلى هذا الإصلاح.

تكرار هذا التصرف على مدار سنين طويلة يخلق نمطاً من المحاولات القهرية لإصلاح المحيطين، والتي قد تنتهي برفض المحيطين لها والذي سيكون لذلك دوره في تعزيز شعور أنها تستحق الرفض والإساءة.  

كيف يمكن أن تعرف أنك تعاني من تلك المتلازمة؟

علينا أن نؤكد أولاً أن هذه المتلازمة لا تندرج تحت بند المرض النفسي، ولكن وجودها قد يؤدي إلى آثار سلبية على الصحة النفسية، ومن ثم على جودة العلاقات التي نخوضها.

قد تكون تعاني من تلك متلازمة “أستطيع تغييره” أو متلازمة “المخلِّص/ة”، إذا كنت تنتابك تلك المشاعر:

  • تشعر/ين بالرضا عن نفسك عندما تساعد/ين شخصاً ما، أو بمعنى آخر أن ينبع رضاءك عن نفسك فقط من ممارسة أفعال متعلقة بمساعدة الآخرين
  • تعتقد/ين أن مساعدة الآخرين هو هدفك في الحياة وليس هناك هدف آخر لوجودك
  • تبذل/ين الكثير من المجهود في محاولة لإصلاح الآخرين بحيث ينتهي بك الأمر بالإرهاق
  • تحاول دائماً تغيير الآخرين
  • الضعف يجذبك تجاه الآخرين، فالمخلِّص/ة في العلاقات يبذل مجهوداً كبيراً في محاولة إنقاذ الشركاء من المشاكل. قد تشعر/ين بالانجذاب بشكل خاص إلى الأشخاص الذين عانوا من مشاكل حياتية صعبة
  • تظن/ين دائماً أن عليك إيجاد حلول
  • تقدم/ين تضحيات شخصية مفرطة، فقد تضحي باحتياجاتك الشخصية وتبذل/ين أقصى استطاعتك من أجل رعاية الأشخاص الذين قد لا يحتاجون بالفعل إلى المساعدة، وتشمل هذه التضحيات الوقت والمجهود العاطفي والمال

لنتذكر أن هناك رغبة صحية في المساعدة، ولكن في هذه الحالة أنت تشعر/ين بالرضا عن نفسك في كل الأحوال، لا حين تساعد/ين شخصاً آخر فقط، كذلك يوازن صاحب الرغبة الصحية بين المجهود المبذول لمساعدة الآخرين والعناية بذاته.

ومن المهم ألا يبادر الشخص بتقديم المساعدة حتى يطلبها الطرف الآخر.

وعلينا أن نعي وجود فارق كبير بين المساعدة والرغبة في “الإنقاذ”، وهل هذه الرغبة تتماشى مع ما يريده الشريك/ة الآخر؟

في بعض الأحيان لا يريد الشريك/ة تغيير حياته. أما فرض “الإنقاذ” على الشريك/ة، فهو يحمل رغبة في السيطرة والتحكم فيه/ا.

نتائج سلبية

غالباً لا تؤدي محاولة إنقاذ شخص ما من مشاكله إلى النتيجة المرجوة، إلا إذا كان التغيير نابعاً من رغبتهم أنفسهم.

يمكن أن يكون للميول المنقذة أيضاً تأثير سلبي عليك، خاصة إذا كنت لا تستطيع/ين كبح جماحها.

وللأسف الشديد، يؤدي هذا النمط المتكرر من السلوك إلى الكثير من العواقب، والتي تتمثل في:

  • الاحتراق الذاتي، لأن استخدام كل وقتك وطاقتك في مساعدة الآخرين يترك لك القليل من الطاقة لنفسك
  • أعراض مزاجية غير مرغوب فيها بسبب الشعور بالفشل، يترتب على ذلك الاكتئاب والاستياء والغضب
  • العلاقات غير الدائمة/ غير المنتظمة (disrupted relationships)

إذا كنت تعتقد أن شريكك هو مشروع إصلاح وإنك الشخص المنوط بفعل ذلك، فمن المحتمل ألا تنجح علاقتك.

كيف تغيرين هذا النمط؟

من الضروري فهم متلازمة “أنا أستطيع إصلاحه”، أو “المخلِّص/ة”، والطريقة الوحيدة لتغيير تلك الطبيعة هي الوعي بالتكرار النمطي للسلوك أولاً. إذا وجدت نفسك منجذبة إلى رجال محطمين فأنت تكررين نمطاً يمكن تسميته بـ “إنقاذ الأرواح الجريحة” وهنا يجب الوقوف مع النفس للتراجع عن ذلك السلوك حفاظاً على وقتك ومجهودك.

تتمثل إحدى الخطوات الحاسمة في التغيير في إجراء مقابلات مع الأشخاص الذين لديهم علاقات سوية سواء كانت حميمية أو لا، ويمكن أن يكون هؤلاء الأشخاص أصدقاء أو أفراداً من العائلة. الهدف هو أن تطلب/ي من شخصين أو ثلاثة فقط يمكنك الوثوق بهم ألا يصدروا أحكاماً عليك. اشرح/ي لهم مشكلتك وصفها جيداً، واسألهم عما إذا كانوا على علم بأنك تتصرف/ين بهذا الشكل أم لا وعن سبب تلك المشكلة في اعتقادهم.

لماذا إجراء المقابلات مهم؟

 لأنك تحتاج/ين إلى الاعتراف لنفسك ولشخص آخر بأن لديك مشكلة، ولأنك تحتاج/ين إلى قبول فكرة أن هناك شخصاً آخر قادر على مساعدتك.

خطوة أخرى في التغيير هي استخدام التأكيدات اليومية لتحسين صحتك النفسية.

على سبيل المثال، عندما يحدث لك شيء سيء، هل تخبر/ين نفسك أنك بذلت قصارى جهدك؟ أم أنك تخبر،ين نفسك أنك مقصر/ة وكان عليك بذل جهد أكبر؟ ما تقوله لنفسك هو حديثك الذاتي، وتقييم نوع الحديث الذاتي الذي تستخدمه هو أمر بالغ الأهمية عندما يتعلق الأمر بعلاقاتك الشخصية.

يمكن أن يحدث استخدام التأكيدات (الحديث الذاتي الإيجابي) فرقاً كبير في قراراتك، لأنك تبرمج/ين نفسك لتشعر/ين بالرضا عن نفسك وتحمي/ن نفسك من الألم العاطفي. قد يؤدي تكرار العبارات الإيجابية -خاصة عندما تشعر/ين بالإحباط – أن يُحدث فارقاً كبيراً في حياتك.

إذا مارست هذه التقنية بشكل يومي، ستشعر/ين تجاه نفسك بثقة أكبر وإيجابية، وستبدأ في اتخاذ قرارات عاطفية أفضل.

إن الرغبة في مساعدة الآخرين شعور نبيل للغاية، لكن لا بد أن تكون تلك المساعدات نابعة من احتياج الطرف الآخر ويجب أن تكون تلك المساعدات موزونة، بحيث لا يضطر أحد الشركاء بتقديم الكثير من التضحيات، فهذا على المدى البعيد ومع كثرة التضحيات قد يؤثر على الصحة النفسية للأشخاص ويجعل العلاقة غير متوازنة.

أما لو كنت أنت الشريك/ة التي يُطلب منه/ا التغيير على غير رغبتك، فمن الضروري أن تفكر/ي في نفسك واحتياجاتك وصحتك النفسية قبل التورط في علاقات من هذا النوع.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

الحب ثقافة

‏الحب ثقافة منصة للنقاش البنّاء حول أمور الحب والعلاقات والجنس والزواج.