التربية الجنسية
Shutterstock

التربية الجنسية.. من أجل علاقات صحية وآمنة

تدريس التربية الجنسية في المدارس مسألة شائكة في مجتمعنا. قد يكون الدافع وراء رفض الفكرة هو الخوف أو الرغبة في الحماية. ولكننا لن نحمي أطفالنا بأن نجعلهم جاهلين، وإنما بتوعيتهم.

العديد من المخاوف تحيط بفكرة تدريس التربية الجنسية في المدارس. وتنقسم الآراء في مصر والعديد من الدول العربية حيال أهمية مناقشة تلك الموضوعات داخل المدارس وخطورة ذلك.

في المقال التالي سنحاول سوياً أن نعرف ماذا نعني بالتربية الجنسية، وطبيعتها، وأهمية تدريسها في المدارس.

ما هي التربية الجنسية؟

تُعَرِّف منظمة الصحة العالمية التربية الجنسية الشاملة على أنها "تعلم كافة النواحي البدنية والنفسية والمعرفية والاجتماعية عن الجنسانية".

تبدأ التربية الجنسية من سنوات الطفولة الأولى، وتستمر عبر سنوات المراهقة والبلوغ وحتي الوصول إلى سنوات النضج.

تهتم التربية الجنسية بدعم الأطفال والمراهقين وإكسابهم المعلومات الكافية والمهارات اللازمة والقيم الإيجابية حتى يتفهموا ويستمتعوا بمراحل حياتهم المختلفة، وما يصاحبها من تغيرات فسيولوجية ونفسية. وأيضاً القدرة على تكوين علاقات أمنة وصحية، وتحمل مسؤولية قراراتهم الخاصة بالصحة الجنسية.

هل التربية الجنسية تعني تعلم ممارسة الجنس؟

يخلط العديد من الناس بين التربية الجنسية والعلاقة الجنسية، ولكن الحقيقة أن التربية الجنسية تتضمن العديد من الموضوعات الأخري الهامة لضمان صحة أبنائنا وبناتنا ومنها:

العلاقات: وتشمل العلاقة مع الأهل والأشقاء وكيفية بناء حوار مثمر وفعال وآمن مع الآباء و الأمهات. وأيضاً دور الطفل نحو العائلة وحقوقه عليها.

وتشمل العلاقة مع الأصدقاء وكيفية بناء علاقات حقيقية وإيجابية، وأيضاً كيفية مواجهة ضغط الأقران، وقول لا للعادات السيئة كالتدخين.

وأخيراً تشمل العلاقات الرومانسية وكيف يرى كل جنس الجنس الأخر، والطرق السليمة للتعبير عن مشاعر الحب والإعجاب وتحمل المسؤولية تجاه مشاعرنا وقراراتنا.

النوع الاجتماعي (الجندر): يتناول الفرق بين الجنس و النوع، يتعلق الأول بجسم الإنسان ووضعه البيولوجي، والثاني بالهوية الشخصية، وكذلك يتعلق النوع الاجتماعي بالأدوار المختلفة التي يمليها المجتمع على المرأة والرجل، وقضايا المساواة بين الجنسين والعنف المبني على النوع.

العنف: ويشمل التنمر داخل المدارس وكيف يحمي الأطفال والمراهقون أنفسهم عند التعرض لشكل من أشكال التنمر، وطلب المساعدة اذا تطلب الأمر، أي مناقشة التحرش والاعتداء الجنسي بكافة أشكاله وصوره.

التحرش والاعتداء
shutterstock

الإنترنت: ويشمل كيفية حماية الطفل لنفسه عبر الإنترنت، وفوائد وأخطار مواقع التواصل الاجتماعي، وأشكال التنمر الإلكتروني، وأيضاً مواقع الأفلام الإباحية وأضرارها النفسية والصحية على المراهقين والشباب.

الجسم: ويشمل دراسة الأعضاء التناسلية للجنسين، والتغيرات الجسدية والنفسية أثناء فترة المراهقة والبلوغ، والحمل والإنجاب ووسائل تنظيم الأسرة، والصورة الجسدية وتقبل النفس.

الصحة الجنسية: ويشمل معرفة طرق انتقال الأمراض المنقولة جنسياً وأعراضها، ومواجهة الوصم والتمييز للمتعايشين مع فيروس نقص المناعة المكتسب.

لماذا نتحدث عن التربية الجنسية في مدارسنا؟

أصبح تدريس التربية الجنسية ضرورة في مدارسنا، في عصر نسمع فيه كل يوم عن حوادث عنف جسدي أو تحرش جنسي بالأطفال، وكان هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل تونس تقرر تدريس التربية الجنسية.

كذلك يشهد عصرنا انتشار الأفلام الإباحية، والأمراض المنقولة جنسياً، وحالات الحمل غير المرغوب فيه بين المراهقات.

وقد أثبتت العديد من الدراسات المنشورة في أنحاء العالم أن الحوار المفتوح البنَّاء عن تلك القضايا يكسب الأطفال والمراهقين المعلومات الصحيحة والمهارات اللازمة لحماية نفسهم من أي سلوكيات خطرة.

العديد من الفتيات يتعرضن باستمرار لضغط المواقع الاجتماعية، كإنستجرام، ويسعين للاتساق مع صورة محددة للجمال، مما يضعف صورتهن الذهنية عن أنفسهن.

وفي نفس الوقت يتعرض الفتيان لضغط مماثل للتطابق مع صورة محددة من الذكورية، كشاب صاحب عضلات مدخن دونجوان يلعب بعقول زميلاته وقلوبهن.

"أيوه ما احنا كبرنا و اتجوزنا ومحدش قالنا حاجة"

العصر غير العصر والظروف غير الظروف، الأطفال والمراهقون في عصر الإنترنت لديهم القدرة على الوصول لكل المعلومات، الصح منها والخطأ، المتاح منها و الممنوع، المناسبة لسنهم و غير المناسبة.

والحل هو أن يكون هناك مصدر علمي يكتسب  ثقة الأطفال والمراهقين، يحترم احتياجاتهم ويرد علي استفساراتهم الحقيقية بلغة سهلة مناسبة وخالية من الوصم.

 

تبديد المخاوف

 

من المشكلات الأساسية التي تمثل عائقاً أمام تحقيق الأمر هو المخاوف التي تواجه أطراف المنظومة التعليمية، ونعرض هنا نماذج لبعض هذه المخاوف:

 

إدارات المدارس: "الأهالي سيرفضون وهيعملولنا مشاكل"

يظل هذا هو التخوف الأكبر لعدد كبير من المدارس، لذلك فمنهج تربوي واضح يشارك فيه الأهل مع الإدارة المدرسية هو أمر ضروري. يمكن أن يشمل المنهج أيضاً جلسات للأهل لتوعيتهم عن التغيرات النفسية التي يمر بها المراهق وكيفية التعامل معها.

التفاهم بين المدارس والأهالي
shutterstock

كذلك سيساهم عقد جلسات مشتركة بين الطلاب والأهل والمدرسين في بناء الثقة في منهج التربية الجنسية وأهدافه وطرق تدريسه.

المدرسون "بس إحنا ما عندناش معلومات كفاية والموضوع هيفتح علينا باب كبير للأسئلة"

هذا أيضاً تخوف حقيقي للمدرسين، ولكن يمكن تجنبه عن طريق وجود منهج مكتوب يحتوي علي معلومات علمية كافية ويعتمد على الحوار والنقاش لا التلقي والاستماع. فالمعلم سيصبح دوره الأساسي هنا هو التربية وبناء الثقة مع الطلاب لمشاركة مشكلاتهم وأسئلتهم دون خوف أو إحراج.

الأهالي: "العيال ممكن تعرف معلومات مش مناسبة لسنهم"

وهو تخوف شائع لدى الأهل. ولكن على عكس تصور البعض سيكون منهج التربية الجنسية مناسب لكل مرحلة عمرية، ويناقش أهم الموضوعات والأسئلة الخاصة بتلك المرحلة.

هذا المنهج المتدرج سيكون الحل لهذا التخوف.

وكذلك على الأهالي معرفة أنه بدون هذا المنهج سيبحث الأطفال والشباب عن الإجابات من خلال صفحات الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر أصدقائهم الأكبر سناً، وفي هذا خطر الاعتماد على مصادر غير موثوق بها.

هكذا نعرض أطفالنا وشبابنا لمخاطر المعلومات الخاطئة، بدلاً من أن نحميهم منها.

منهج "واحدة واحدة"

لم نقل إن المهمة سهلة، فمن أجل تصميم منهج للتربية الجنسية في المدارس علينا أن نتبع بعض القواعد الأساسية منها:

  • أن يكون المنهج تدريجياً، يبدأ من المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية بما يتناسب مع كل مرحلة عمرية.
  • أن يعتمد على الأنشطة و النقاشات التي تتناسب مع الثقافة المجتمعية وتبني التفكير النقدي لدى الأطفال والمراهقين.
  • أن يتناول المهارات الحياتية بجانب المعلومات الصحيحة، ولا يغفل توفير موارد وطرق لطلب المساعدة في حالة الاحتياج.
  • النقطة الأهم أن يتم تدريس المنهج في بيئة آمنة غير ساخرة وخالية من الوصم، وذلك بتضافر جهود الإدارة المدرسية والمدرسين وأولياء الأمور. 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

Comments
إضافة تعليق جديد

Comment

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.